الحلقة (1) المقدمة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. الحمد لله الذي خلق الخلق والأخلاق والأرزاق والأفعال، وله الشكر على إسباغ نعمه الظاهرة والباطنة بالإفضال، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله المختص بحسن الشمائل، وعلى آله وأصحابه الموصوفين بالفواضل والفضائل، وعلى أتباعه العلماء العاملين بما ثبت عنه بالدلائل. أما بعد، لا شك أن جميع من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماضي والحاضر من أهل البوادي والحواضر، من ناظم أو ناثر أو شاعر، يستدل على استحسان مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإطناب فيه والاسترسال في سرده من أجل وأتم الأعمال، بما مدح الله سبحانه وتعالى به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز. لقد مدح الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم مدحًا ما بعده مزيد. فَجَاءَ الْخَلْقُ بَعْدَ ذَٰلِكَ مُقَصِّرِينَ فِي حَقِّهِ مَهْمَا اجْتَهَدُوا، وَدُونَ مَقَامِهِ مَهْمَا تَفَنَّنُوا، وَقَدْ قَالَ قَائِلُهُمْ: أَرَى كُلَّ مَدْحٍ فِي النَّبِيِّ مُقَصِّرًا، وَإِنْ بَالَغَ الْمُثْنِي عَلَيْهِ وَأَكْثَرَا، إِذَا اللَّهُ أَثْنَى بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَمَا مِقْدَارُ مَا تَمْدَحُ الْوَرَى. وَمِنْ أَعْظَمِ مَدْحِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِفَاعُهُ عَنْهُ، وَتَصَدِّيهِ لِأَعْدَائِهِ وَالْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ، وَذَٰلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ وَتَسْفِيهِهِمْ، ثُمَّ بِبَيَانِ فَضَائِلِهِ وَشَمَائِلِهِ وَمَكَانَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَٰذَا كَثِيرٌ لَا حَصْرَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَمَا يَكَادُ يُطْلِقُ عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ إِشَاعَةً أَوْ فِرْيَةً أَوِ اتِّهَامًا حَتَّى يَقِفَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالْمِرْصَادِ، مُفَنِّدًا وَمُكَذِّبًا لَهُمْ مِنْ جِهَةٍ، وَمَادِحًا وَمُثْنِيًا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُقْسِمًا عَلَى جَمِيلِ خَصَائِلِهِ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. إِنَّ مَدْحَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَإِطْرَاءَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَتَعْدَادَ مَحَاسِنِهِ وَإِعْلَاءَ مَقَامِهِ، وَرَفْعَ شَأْنِهِ وَالدِّفَاعَ عَنْهُ، وَتَصْدِيقَ قَوْلِهِ وَتَحْسِينَ شَرِيعَتِهِ، وَذَمَّ أَعْدَائِهِ وَتَسْفِيهَ آرَائِهِمْ وَإِنْقَاصَ قَدْرِهِمْ، مَنْهَجٌ قُرْآنِيٌّ وَاضِحٌ، وَسَبِيلٌ رَبَّانِيٌّ صَرِيحٌ، وَطَرِيقٌ إِلَٰهِيٌّ بَيِّنٌ. ومن هنا كان اقتداء المؤمنين والمؤمنات في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثناء عليه بكل وسيلة وأسلوب، وخصلة وفضيلة وخلق، حتى نسجوا له برد المديح، وصاغوا فيه قلائد القصيد، وسطروا فيه ملاحم الخلود. ذكر لنا ربنا في كتابه هذه المنة التي تطوق عنق كل مسلم في كل زمان ومكان، فقال: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. ومن ثم يؤكد على مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم لدى كل مسلم، فيقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فهو أقرب إلينا من قلوبنا، وأحب إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو عند كل مسلم منا أعز ما لديه، وأغلى من جميع الخلق دون مستثنى. فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. ولا يملك المسلم أمام هذا البنيان الشامخ إلا التوقير والإجلال لمقام هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يقتفي أثر الصحب الكرام الذين تفانوا في حب رسولهم صلى الله عليه وسلم حتى شهد بذلك الأعداء والأصدقاء على السواء. يقول أبو سفيان بن حرب قبل أن يعلن إسلامه: ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. ومن مظاهر تكريم الله تعالى لنبيه وثنائه عليه ما جاء في مطلع سورة النجم مع غيرها من السور، حيث أثنى الله على عقله فقال: ما ضل صاحبكم وما غوى، وأثنى على لسانه فقال: وما ينطق عن الهوى، وأثنى على جليسه ومعلمه جبريل فقال: علمه شديد القوى، وأثنى على بصره فقال: ما زاغ البصر وما طغى، وأثنى على صدره فقال: ألم نشرح لك صدرك، وأثنى على أخلاقه كلها فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. يقول القاضي عياض رحمه الله: ما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه خصال الخير كلها، مما لا يحصيه عد ولا يعبر عنه مقال. ولا ينال بكسبٍ ولا حيلةٍ إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة، والخلة والمحبة، والاصطفاء والإسراء، والرؤية والقرب والدنو، والوحي والشفاعة والوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء، وسيادة ولد آدم، والرحمة للعالمين، وشرح الصدور، ورفع الذكر، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، وصلاة الله تعالى والملائكة عليه، ووضع الإصر والأغلال عن الخلق ببعثه، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، والنصر بالرعب، والاطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصى، والعصمة من الناس إلى ما لا يحصيه عدّ، ولا يحيط بعلمه إلا الله تعالى، إضافةً إلى ما أعد الله له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول، وتحار دون إدراكها الأفهام. انتهى كلامه. وصدق من قال: فإن فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم. ومن هذا المنطلق، فإن كتب شمائل وأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم من أعلى الكتب درجةً وأرفعها منزلةً، وأكرمها شأناً ومكانةً، لما تحويه من صور عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تصويراً دقيقاً، يجعلنا نقف أمام حياته لنتأملها، فتكون لنا سراجاً منيراً، وسبيلاً مبيناً للسعادتين في الدنيا والآخرة، وتجعلنا نقتفي أثره، ونسير على نهجه ومنهجه، حتى نهدى إلى الصراط المستقيم، فهو صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي على الأرض. إن معرفة عبادة الله تعالى، والعمل بدينه الذي أنزله لصلاح شؤون العباد في الدنيا والآخرة، متوقفة على معرفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريقته العملية التي بين فيها شرع الله تعالى أول ما نزل عليه الوحي، إلى أن أكمل الله تعالى هذا الدين. وقد وعت كتب السنة والمغازي والتاريخ والشمائل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وصفاته، من أول نشأته إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره، لا سيما الفترة التي أدى فيها الرسالة، ولم تدع أمراً من أموره ولا شيئاً من شؤونه دق أو جل إلا أحصته، حتى إنك لتجد فيها صفة ثيابه وجلوسه، ونهوضه من نومه، وهيئته في ضحكه وابتسامته، ومشيته وعبادته في ليله ونهاره. وكيف كان يفعل إذا اغتسل، وإذا أكل، وكيف كان يشرب، وماذا كان يلبس، وكيف كان يتحدث للناس إذا لقيهم، وما كان يحب من الألوان، وما هي حليته وشمائله. ولسنا نعد الحقيقة إذا قلنا إنه ليس في الدنيا إنسان كامل يتحدث التاريخ عن سيرته على التفصيل، كما تحدث عن تفاصيل حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن من أوفى كتاب في هذا الموضوع هو كتاب الشمائل المحمدية للإمام الحافظ المحقق محمد بن عيسى الترمذي، الذي يعد من أعظم كتب الشمائل وأجمعها وأجودها. كما قال العلامة علي القاري رحمه الله: إن مطالعة هذا الكتاب كأنه يطالع طلعة ذلك الجناب، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب. لذلك فقد لقي هذا الكتاب عناية عظيمة من قبل أهل العلم وطلبته عبر القرون، قراءةً وضبطًا، ودراسةً وحفظًا، وتصدى لشرحه غير واحد، ووضعوا عليه شروحًا وحواشي مطولة ومختصرة. وقد أحببت أن أدخل في زمرة خدمة هذا الكتاب، فوضعت عليه شرحًا مختصرًا منتخبًا من شروح المتقدمين والمتأخرين، مع محاولة عرضه بطريقة جديدة تناسب أساليب الكتابة وأذواق القراء في عصرنا الحديث. وقد عمدت إلى حذف أسانيد الإمام الترمذي، مع الإبقاء على راوي الحديث من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وحذف جميع الأحاديث الضعيفة في الكتاب، ولم أشرح إلا ما كان منها في دائرة القبول، وحذف الأحاديث المكررة في المعنى، واقتصرت على أقواها وأتمها، ليخرج هذا العمل في هذه الصورة التي أرجو أن تكون مقبولة عند الله تعالى، ومفيدة لسامعها. إن كلمة الشمائل تعني الطباع والخصال، والأخلاق والخلال، والصفات والسجايا، وعندما يقال شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يعني خصاله الكريمة، وطباعه النبيلة، وأخلاقه العالية، وصفاته الطاهرة، وسجاياه الباهرة، كجوده صلى الله عليه وسلم وحلمه، وأناته وصبره، وتواضعه وشجاعته. على أن الترمذي رحمه الله لم يقتصر في هذا الكتاب على موضوع الشمائل فحسب، بل وسع دائرة بحثه، فأضاف أبوابًا تحدث فيها عن أمور أخرى تخص النبي صلى الله عليه وسلم، فتحدث عن صفاته الخلقية البدنية الظاهرة، وطلعته البهية، ومحياه الوضاء، وتحدث عن عبادته، وعن صفة صيامه وقيامه، وقراءته للقرآن ونحو ذلك، وتحدث عن كثير من أمتعته وحاجياته الخاصة. كخفه ونعله، وإزاره وردائه، وخاتمه وعمامته، وسيفه ودرعه، ومغفره وقدحه، وتحدث عن طعامه وشرابه، وخبزه وإدامه وفاكهته، وغير ذلك مما اشتمل عليه هذا الكتاب الشريف. ثم ختم الكتاب بأبواب في أسمائه الشريفة صلى الله عليه وسلم، وسنه عند وفاته، وحادثة وفاته، وميراثه، ورؤيته في المنام. وما من شك أن دراسة هذه الأبواب وتفهمها على الوجه الصحيح مما يزيد المسلم معرفة بنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحبة له، وتعلقًا به، وتصديقًا برسالته. إضافة إلى أن هذه الأبواب مشتملة على كثير من المسائل الفقهية، والآداب السلوكية، والفوائد الأخلاقية التي يحتاج إلى معرفتها والتأسي بها كل مؤمن. قال العلامة ابن الجزري رحمه الله: أخلايا إن شط الحبيب وربعه، وعز تلاقيه وناءت منازله، وفاتكم أن تبصروه بعينكم، فما فاتكم بالعين هذه شمائله. ولبعضهم في هذا المعنى: يا عين إن بعد الحبيب وداره، ونأت مرابعه وشط مزاره، فلقد ظفرت من الحبيب بطائل، إن لم تريه فهذه آثاره. أسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا ذخره وأجره، ويجعله شفيعًا لنا يوم القيامة، وينفع به من سمعه وقام بنشره، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.