الحلقة (2) باب ما جاء في خَلْقِ رسول الله ﷺ الجزء الأول

الشمائل المحمدية · المقطع 2 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخلق هو وصف الصورة والشكل الظاهر، والخُلُق هو وصف الباطن والخصال الكريمة، والله عز وجل قد خلق نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على أكمل صورة وأحسن هيئة، فكان كما وصفه الصحابة: بهي الطلعة، حسن الخِلقة، متناسب الأعضاء، لم تر العيون شيئًا أجمل ولا أحسن منه، لا قبله ولا بعده. قال عنه حسان بن ثابت رضي الله عنه: وأحسن منك لم تر قط عيني، وأجمل منك لم تلد النساء، خُلِقت مبرأً من كل عيب، كأنك قد خُلِقت كما تشاء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكان خلقه صلى الله عليه وسلم وصورته من أكمل الصور وأتمها، وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله. وقدم الترمذي الكلام على الأوصاف الظاهرة لأنها أول ما يدرك من صفات الكمال. ولأنها كالدليل على الأوصاف الباطنة، فإن الظاهر عنوان الباطن، وللترتيب الوجودي، إذ الظاهر مقدم في الوجود على الباطن. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط. بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. في هذا الحديث يصف أنس بن مالك رضي الله عنه طول رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمال صورته وكمال خلقته، فيقول: إنه لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، أي أنه كان متوسط القامة، لم يكن طويلاً شديد الطول، كما أنه لم يكن قصيراً، وإنما بين هذا وهذا، لكنه صلى الله عليه وسلم كان إلى الطول أقرب وأميل، بدليل أن أنساً رضي الله عنه لم ينف عنه أصل الطول، وإنما نفى عنه الطول الزائد، وهو الممدوح في طول الرجال. ويصف أنس رضي الله عنه لون النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم. ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شديد البياض كالأبرص، فإنه لون مستكره، كما أنه لم يكن أسمر اللون، وإنما كان أبيض بياضًا مستنيرًا، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون، والأزهر هو الأبيض المستنير. وفي الحديث أيضًا يصف أنس رضي الله عنه شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ليس بالجعد القطط ولا بالسبط. الشعر الجعد هو المتداخل بعضه في بعض، المتلوي بعضه على بعض، وهو شعر الزنجي، والقطط هو شديد الجعودة، والشعر السبط هو المسترسل الناعم الذي ليس فيه تعقد ولا نتوء، فشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسطًا بين الجعودة والنعومة. وقد جاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان رجل الشعر، وهو الذي كأنه رُجِّل وسُرِّح بالمشط، وفسره بعضهم بما فيه تثنٍّ والتواء يسير، وهي أحسن صفات الشعر. وفي تمام الحديث. يذكر أنس رضي الله عنه بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، أي أنه نُبِّئ عندما أتم من العمر أربعين سنة. وقوله: فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين. المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة بلا خلاف، ولعل المقصود في هذا الحديث هي المدة التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد نزول سورة المدثر والأمر بإعلان الرسالة: يا أيها المدثر قم فأنذر، فإنه لما بُعث استخفى ثلاث سنين، ثم جهر بالدعوة عشر سنين. والأقرب من هذا أن المراد أن العشر سنين الواردة في الحديث مبنية على إلغاء الكسر الزائد على العشرة، كما هي عادة العرب في الحساب. وقوله: وتوفاه الله على رأس ستين سنة. الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمره ثلاث وستون سنة، فتكون هذه الرواية في هذا الحديث مبنية على حذف الكسر الزائد، كما تقدم في مدة بقائه صلى الله عليه وسلم في مكة. وأما قوله: وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، أي أقل من عشرين شعرة بيضاء. وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهَا سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ شَيْبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَمَتُّعِهِ بِالشَّبَابِ وَالنَّضَارَةِ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ. وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى اهْتِمَامِ الصَّحَابَةِ الْبَالِغِ بِنَقْلِ أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِنَّهُمْ نَقَلُوا لَنَا عَدَدَ شَعَرَاتِهِ الْبَيْضَاءِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلَا سَبِطٍ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا يَصِفُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَسُولَنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مُلَاصَقَةً لَهُ، حَيْثُ خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ مُدَّةَ بَقَائِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ، فَيَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: رَجُلٌ رَبْعَةٌ وَرَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِذَا كَانَ بَيْنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَهُوَ نَفْسُ الْمَعْنَى الَّذِي مَرَّ مَعَنَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً، وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ. وَقَوْلُهُ: حَسَنَ الْجِسْمِ، أَيْ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، مُتَنَاسِبَ الْأَعْضَاءِ، لَوْنًا وَنُعُومَةً وَاعْتِدَالًا فِي الطُّولِ وَاللَّحْمِ، لَيْسَ فِي غَايَةِ السِّمَنِ وَالْهُزَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَسْمَرَ اللَّوْنِ، فَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، لِهَذَا يَرَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَدَمَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّمْرَةِ هُنَا الْحُمْرَةُ الْخَفِيفَةُ الَّتِي أُشْرِبَ بِهَا بَيَاضُهُ، حَيْثُ كَانَ بَيَاضُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرَبًا بِشَيْءٍ مِنَ الْحُمْرَةِ، وَبِهَذَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: السُّمْرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْلُو وَجْهَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مِنْ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِ وَبُرُوزِهِ لِلشَّمْسِ. وَقَوْلُهُ: إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ، هَذَا فِي وَصْفِ مِشْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ إِذَا مَشَى يَتَمَايَلُ إِلَى الْأَمَامِ، كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ أَوْ يَنْزِلُ مِنْ مُنْحَدَرٍ، وَهِيَ مِشْيَةُ أُولِي الْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ، وَهِيَ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا. بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجُمَّة إلى شحمة أذنيه، عليه حُلَّة حمراء، ما رأيت شيئًا قط أحسن منه. وفي رواية عنه قال: ما رأيت من ذي لِمَّة في حُلَّة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل. في هذا الحديث الذي يرويه البراء بن عازب رضي الله عنهما، تُضبط كلمة رجلاً بضم الجيم وكسرها، فأما على الضم رجلاً، فيصف البراء شخص النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مربوع لا بالطويل ولا بالقصير، وأما بكسر الجيم رجلاً، فيصف شعر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رجل مسترسل لا جعد ولا سبط. وقوله بعيد ما بين المنكبين، أي عريض أعلى الظهر بين الكتفين، ويلزم من ذلك أنه عريض الصدر، وذلك من علامات النجابة. وضبطت بعيد بصيغة التصغير إشارة إلى تقليل البعد، أي أن بعد ما بين منكبيه لم يكن منافيًا للاعتدال، ولذا جاء في رواية أنه صلى الله عليه وسلم رحيب الصدر. والمنكب هو مجمع عظم العضد والكتف، وقوله عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، أي كثيف شعر الرأس حتى يضرب شحمة الأذن، وهي الجزء اللين المتدلي من الأذن الذي تضع فيه المرأة قرطها. والشعر بحسب طوله له ثلاث صفات: الجمة، والوفرة، واللمة، وكلها تأتي في وصف شعر النبي صلى الله عليه وسلم. قال أهل اللغة: الوفرة ما نزل من الشعر إلى شحمة الأذن، واللمة ما جاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين أو لا، والجمة ما ضرب المنكبين. وقوله عليه حلة حمراء، الحلة لا تطلق على اللباس إلا إذا كان من قطعتين مثل الإزار والرداء، وذلك لأن أحدهما يحل على الآخر فسميت حلة، ولعله قد خالط الحمرة لون آخر مثل البياض أو السواد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المياثر الحمر، وهو اللباس ذو اللون الأحمر الخالص. وقوله ما رأيت شيئا قط أحسن منه، جاء البراء رضي الله عنه بهذه الجملة لبيان إجمال جماله، لتعذر تفصيل أحوال كماله، وحاصل كلامه: ما رأيت شيئا قط كان حسنه مثل حسنه صلى الله عليه وسلم. بل هو كان أحسن من كل حسن، وقال: ما رأيت شيئًا دون أن يقول ما رأيت إنسانًا، ليفيد التعميم حتى يتناول الشمس والقمر وغيرهما من الأشياء الجميلة. وقوله قط، أي دائمًا في جميع الأشياء التي شاهدتها، وهذا فيه كمال خلقته وجمال صورته وبهاء طلعته صلى الله عليه وسلم، وما حباه الله عز وجل به من الحسن والجمال، بأبيه وأمي صلى الله عليه وسلم. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤًا كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم. في هذا الحديث يصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ليس بالطويل ولا القصير، وقد مر معنا. وقوله شثن الكفين والقدمين، أي غليظهما، ومع أن كفه صلى الله عليه وسلم كانت ممتلئة لحمًا مع ضخامتها وغلظتها، إلا أنها كانت لينة ناعمة. كما ثبت في حديث أنس رضي الله عنه: ما مسست خزًّا ولا حريرًا ألين من كفه صلى الله عليه وسلم. وهذه الغلظة في الكفين تُحمد في الرجال؛ لأنه أشد لقبضتهم، وتُذم في النساء. وقوله: ضخم الرأس، وجاء في رواية: عظيم الهامة، والمراد بضخامة الرأس عظمه وكبره بعض الشيء، وهو دال على كمال القوى الدماغية، وبكمالها يتميز الإنسان عن غيره. وقوله: ضخم الكراديس، الكراديس جمع كردوس، وهو كل عظمين التقيا في مفصل، والمقصود رؤوس العظام نحو المنكبين والركبتين والوركين. أراد أنه ضخم الأعضاء، وهو يدل على نجابة صاحبه. وقوله: طويل المسربة، المسربة هي الشعر الدقيق الذي يأخذ طولًا من الصدر إلى السرة. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.