الحلقة (3) باب ما جاء في خَلْقِ رسول الله ﷺ الجزء الثاني

الشمائل المحمدية · المقطع 3 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب. قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين. قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. في هذا الحديث وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه كان ضليع الفم، أي واسعه، وهو محمود عند العرب، وكناية عن كمال الفصاحة وتمام البلاغة. وقوله: أشكل العين، وفي رواية: العينين بصيغة التثنية، أي في بياضها حمرة، وليس كما ذُكر بأنه طويل شق العين. قال القاضي عياض: هذا وهم من سماك، والصواب ما اتفق عليه العلماء وجميع أصحاب الغريب من أن الشكلة حمرة في بياض العين. وَهُوَ مَحْمُودٌ عِندَ الْعَرَبِ جِدًّا، وَالشَّهْلَةُ بِالْهَاءِ حُمْرَةٌ فِي سَوَادِهَا. وَقَوْلُهُ: مَنْهُوسُ الْعَقِبِ، الْعَقِبُ هُوَ مُؤَخِّرَةُ الْقَدَمِ، وَالْمَنْهُوسُ مِنَ الرِّجَالِ قَلِيلُ اللَّحْمِ مِنْهُمْ، وَقَيْدُ الْإِضَافَةِ يُفِيدُ نَفْيَ مَا عَدَا الْعَقِبِ، فَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّهُ ضَخْمُ الْقَدَمَيْنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَصِفُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ، أَيْ فِي لَيْلَةٍ مُضِيئَةٍ لَا غَيْمَ فِيهَا وَلَا ظُلْمَةَ، لِأَنَّهَا مُقْمِرَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَذَلِكَ حِينَ يَكُونُ الْبَدْرُ فِي تَمَامِ كَمَالِهِ وَفِي تَمَامِ حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ، وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا أَوْجَبَ التَّأَمُّلَ فِيهِ لِظُهُورِ مَزِيدِ حُسْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ، أَيْ صَارَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَةً. وينظر إلى القمر تارة، ثم يقارن بين الجمالين، فوجد أن جماله صلى الله عليه وسلم قد فاق جمال القمر، وتشبيه جمال وجه النبي صلى الله عليه وسلم بالقمر من باب تقريب المعنى وتوضيحه، وإلا فإن الله تعالى قد جمّل وجه نبيه صلى الله عليه وسلم وكساه حسنًا بالغًا أعظم وأبلغ من جمال القمر. وعن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء بن عازب رضي الله عنهما: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. وفي هذا الحديث أن رجلًا سأل الصحابي الجليل البراء بن عازب رضي الله عنهما: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ أي في الحسن واللمعان، وقيل في الاستقامة والطول، فقال البراء رضي الله عنه: لا، أي ليس مثل السيف، وعدل عن ذلك إلى القمر لجمعه بين الصفتين: التدوير واللمعان. وقد ورد في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلًا قال له: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا. وجمع بين الكوكبين لأن الأول يراد به غالبًا التشبيه في الإشراق والإضاءة. والثاني في الحسن والملاحة، وليس المراد أن وجهه صلى الله عليه وسلم كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة ما، ويؤيده ما روي في وصفه أنه أسيل الخدين، وهي أحسن الصفات عند العرب والعجم خلافًا للترك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر. وفي هذا الحديث يصف أبو هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض، ومر معنا أن بياضه صلى الله عليه وسلم كان مشربًا بحمرة، وقوله كأنما صيغ من فضة، أي كأنما صنع من فضة، باعتبار ما كان يعلو بياضه صلى الله عليه وسلم من النور والإضاءة. وكلمة صيغ فيها إشارة إلى تماسك أجزائه وتناسب أعضائه، ونورانية وجهه وسائر بدنه صلى الله عليه وسلم. وقوله رجل الشعر، أي مسرح الشعر، ولم يكن قططًا ولا سبطًا، وقد سبق معناهما. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرض علي الأنبياء. فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عُرِضَ عليَّ الأنبياء، يحتمل أن يكون هذا العرض في المنام، ويحتمل أن يكون ليلة أُسري به، وفي هذا العرض إشارة إلى أفضليته صلى الله عليه وسلم. وقوله: فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، أي أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى عليه السلام ضربًا من الرجال، أي وسطًا بين الرجال في طول قامته وفي جسمه، فليس بالسمين ولا الهزيل، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وشنوءة قبيلة في اليمن، أجسامهم معروفة بالقوة والاعتدال، ومعنى الشنوءة: التقزز، وهو التباعد عن الأدناس، ولعلهم لُقِّبوا بذلك لطهارة نسبهم ونظافة حسبهم وحسن سيرتهم وأدبهم. وقوله: وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَيْ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِفِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، وَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ تُعْرَفْ صِفَةُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتَفَى بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ لَهُ، فَلَا تَحْصُلُ لَنَا الْمَعْرِفَةُ بِصِفَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِذَا هُوَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، أَيْ حَمَّامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ مُطْرِبٌ، وَالْمُطْرِبُ: الطَّوِيلُ غَيْرُ الشَّدِيدِ، وَقِيلَ خَفِيفُ اللَّحْمِ. وَقَوْلُهُ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ، وَجُمْلَةُ يَعْنِي نَفْسَهُ هِيَ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ مَنْ دُونَهُ مِنَ الرُّوَاةِ. وَقَوْلُهُ: وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام، فإذا أقرب الناس شبهاً به الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، ودحية من كبار الصحابة، لم يشهد بدراً، وشهد ما بعدها من المشاهد، وبايع تحت الشجرة، وكان ممن يضرب به المثل في الحسن والجمال، وكان جبريل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غالب أحيانه على صورة دحية رضي الله عنه. وعن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري. قلت: صفه لي. قال: كان أبيض مليحاً مقصداً. في هذا الحديث يذكر أبو الطفيل رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت ما بقي أحد على وجه الأرض حياً ممن رآه، وذلك لأن أبا الطفيل، وهو عامر بن واثلة الليثي، هو آخر الصحابة موتاً، فقد ولد في السنة الأولى من الهجرة، وتوفي سنة عشر ومئة للهجرة، وبوفاته ختم الصحابة الكرام رضي الله عنهم. لما سمع سعيد الجريري ذلك من أبي الطفيل طلب منه أن يصف له النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو الطفيل: كان أبيض مليحًا مقصدًا، أي أنه صلى الله عليه وسلم كان لونه أبيض كما مر معنا، مليحًا من الملاحة، وهي الجمال والحسن في الهيئة والبشرة. ومعنى قوله مقصدًا: المقصد هو الوسط والاعتدال، أي أنه صلى الله عليه وسلم معتدل البنية، ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير. ومنه قوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، أي توسط فيه. فجمع للنبي صلى الله عليه وسلم من الملاحة والاعتدال أوفى نصيب، وألبس من الجمال أبهى حلة. فقد قيل في تعريف الجمال: هو تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها. قال ابن القيم رحمه الله: ولما كان الجمال من حيث هو محبوبًا للنفوس، معظمًا في القلوب، لم يبعث الله نبيًا إلا جميل الصورة، حسن الوجه، كريم الحسب والنسب، حسن الصوت. كذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجمل خلق الله وأحسنهم وجهًا، كما قال البراء بن عازب رضي الله عنهما. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه، حسن الاسم، وكان يقول: إذا أردتم إلي بريدًا فليكن حسن الوجه حسن الاسم. ومن أجل ذلك ذكر العلماء أن صفة النبي صلى الله عليه وسلم هي من ضمن الأدلة على نبوته. قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. والشاهد من الحديث قوله: فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، أي عرفت من جمال مظهره أنه ليس بكذاب، فإن الظاهر عنوان الباطن. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.