الحلقة (4) باب ما جاء في خاتم النبوة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في خاتم النبوة. خاتم النبوة هو إحدى العلامات التي كانت على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم الدالة على نبوته، وكانت هذه العلامة معروفة عند أهل الكتاب مذكورة في كتبهم، وبها تعرف بعضهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كسلمان الفارسي رضي الله عنه عندما التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة فآمن به. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وخاتم النبوة من علامات نبوته التي كان يعرفه بها أهل الكتاب ويسألون عنها ويطلبون الوقوف عليها. عن السائب بن يزيد رضي الله عنهما قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع. فمسح صلى الله عليه وسلم رأسي ودعا لي بالبركة. وتوضأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة. في هذا الحديث يذكر السائب رضي الله عنه أنه وقع ذات يوم فأحس بالوجع في قدمه، فجاءت به خالته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح على رأسه ملاطفةً له، ودعا له بالبركة، ثم توضأ الرسول صلى الله عليه وسلم، فقام السائب إلى ماء الوضوء فشرب منه، ثم قام خلف ظهره صلى الله عليه وسلم، فرأى الخاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة، والمراد بالحجلة واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرى، وقيل: الحجلة هي طائر معروف، وزرها بيضتها. وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية الذهاب بالمريض لمن يرقيه أو يدعو له، ومشروعية المسح على رأس المريض والدعاء له، وشفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ودعاؤه لهم بالبركة، وبركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للسائب رضي الله عنه، فقد ورد عن الجعيد بن عبد الرحمن أنه قال: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين سنة، جلدًا معتدلًا، فقال. قد علمت ما متعت بسمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدة حمراء مثل بيضة الحمامة. في هذا الحديث يذكر جابر رضي الله عنه أنه رأى الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله غدة حمراء، الغدة هي قطعة اللحم المرتفعة، والمراد أنه شبيه بها، وحمراء أي مائلة في لونها للحمرة. وجاء في رواية في صحيح مسلم: يشبه جسده، أي يشبه لون الخاتم لون سائر جسده صلى الله عليه وسلم، لم يخالف لون بشرته. وقوله مثل بيضة الحمامة، أي من حيث الحجم مستديرة. وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لفعلت. يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتز له عرش الرحمن. في هذا الحديث يحدث عاصم بن عمر بن قتادة، وهو تابعي مشهور. عن جدته الصحابية الجليلة رميثة بنت عمرو بن هاشم الأنصارية، أنها قالت: وكانت قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث أنها لو أرادت أن تقبل الخاتم الذي بين كتفيه لفعلت من شدة قربها منه. وأوردت هذه الجملة الاعتراضية لتحقيق سماعها منه، لأن الأمر المروي عظيم، وهذا يدل على كمال مباسطتها وخصوصيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهاية تواضعه وحسن معاشرته ولطف خلقه مع أمته، لا سيما العجائز والمساكين. قالت: سمعته يقول يوم مات سعد بن معاذ رضي الله عنه: اهتز له عرش الرحمن. وسعد بن معاذ رضي الله عنه هو سيد الأنصار، أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير رضي الله عنه، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وكان مقدماً مطاعاً في قومه، شهد بدراً، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحد، ورمي يوم الخندق في أكحله، فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر، وذلك في ذي القعدة سنة خمس، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع، وحضر جنازته سبعون ألف ملك، وقوله: اهتز له عرش الرحمن. أي تحرك فرحًا بقدوم روح سعد. قال ابن رجب: وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر، وثبت في الصحيحين، فلا معنى لإنكاره. والعرش هو أعظم مخلوقات الله عز وجل وأكبرها وأوسعها، وقد وصفه الله تعالى في القرآن بالعظيم والكريم والمجيد، وهو سقف المخلوقات وأعلاها وأرفعها. ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. وعن علباء بن أحمر، عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا زيد، ادن مني فامسح ظهري. فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم. قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات مجتمعات. في هذا الحديث يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن أبا زيد يريد معرفة كيفية الخاتم، فطلب منه أن يمسح ظهره ليعرف ما يدور في نفسه، ملاطفةً له واهتمامًا بشأنه. فمسح أبو زيد على ظهره صلى الله عليه وسلم، فوقعت أصابعه على الخاتم، فسأله التابعي عن الخاتم ما هو؟ قال: شعرات مجتمعات. ولعل أبا زيد رضي الله عنه أخبر عما وصلت إليه يده، وهو الشعر الذي كان على الخاتم. وفي الحديث فوائد منها: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وملاطفته لأصحابه، وجواز مسح ظهر الغير، وإثبات خاتم النبوة، وأن عليه شعرات مجتمعات. وفضل أبي زيد الأنصاري رضي الله عنه، حيث خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المكرمة، وهي مسح ظهره الشريف. وفي مسند أحمد أن أبا زيد رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادن مني. قال: فمسح بيده على رأسه ولحيته، قال: ثم قال: اللهم جمله وأدم جماله. قال: فلقد بلغ بضعًا ومئة سنة، وما في رأسه ولحيته بياض إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات، بمعنى أنه لم يُصب بالتجاعيد التي تصيب كبار السن، وإنما بقي وجهه على جماله حتى مات ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وعن بريدة رضي الله عنه قال: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سلمان، ما هذا؟ فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: ارفعها، فإنا لا نأكل الصدقة. قال: فرفعها، فجاء من الغد بمثله، فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هدية لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ابسطوا. ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآمن به. وكان لليهود، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهما على أن يغرس نخلا، فيعمل سلمان فيها حتى تطعم. قال: فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل إلا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأن هذه؟ قال عمر: يا رسول الله، أنا غرستها. قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها. فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا. كان من خبر سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه سمع عند نُدوِّ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع ببعض علامات نبوته، ومنها أنه يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، وأن بين كتفيه الخاتم، فكان يتحرى أن يلقاه ويتحرى مكانه. قوله: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سلمان، ما هذا؟ ليس السؤال عن نوع الطعام الذي جاء به، وإنما السؤال عن أمر آخر فهمه سلمان، فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: ارفعها، فإنا لا نأكل الصدقة. جاء في بعض روايات الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يأكلوا وأمسكه، فهذه العلامة الأولى ظهرت لسلمان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة. وقوله: فجاء من الغد بمثله، فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هدية لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ابسطوا، أي مدوا أيديكم فتناولوا منها، وتناول معهم صلى الله عليه وسلم. وهذه العلامة الثانية التي ظهرت لسلمان رضي الله عنه أنه يقبل الهدية، وقوله ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به. هذا هو الشاهد من الحديث، أنه لما رأى الخاتم على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم آمن به بلا تراخٍ ولا مهلة، بعد أن رأى تطابق العلامات التي كانت لديه في شخصه صلى الله عليه وسلم. وقوله وكان لليهود فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهمًا على أن يغرس نخلًا، فيعمل سلمان فيها حتى تطعم. أي أن سلمان رضي الله عنه كان رقيقًا لليهود، فسعى النبي صلى الله عليه وسلم عند اليهود أن يكاتبوه على مقدار من الفضة، وأن يغرس لهم نخلًا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعينوه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر غرس تلك الفسائل بيده حرصًا على عتق سلمان رضي الله عنه، وكان سلمان يعمل فيها حتى تثمر ويؤكل من ثمرها. وقوله فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل إلا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأن هذه؟ قال عمر: يا رسول الله، أنا غرستها. قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها، فحملت من عامها، ولعل من الحكمة في ذلك أن تظهر المعجزة بإطعام جميع النخل سوى ما لم يغرسه بيده صلى الله عليه وسلم، ومعجزة أخرى، وهي غرسه تلك النخلة ثانية وإطعامها في عامها. وعن أبي نضرة العوقي قال: سألت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة. في هذا الحديث يخبر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه لما سئل عن خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة، والبضعة هي القطعة من اللحم، وناشزة أي بارزة مرتفعة، فليست مستوية مع الجسم. وعن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع، حولها خيلان كأنها ثآليل، فرجعت حتى استقبلته، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله. فقال: ولك. فقال القوم: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: نعم، ولكم. ثم تلا هذه الآية: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. في هذا الحديث يخبر الصحابي الجليل عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، فاستدار حتى أتى من خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قصده بذلك أن يرى الخاتم الذي كان قد سمع به، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم مراده، فألقى الرداء عن ظهره، والرداء هو الجزء الذي يوضع على أعلى البدن، وإزاحته عن الظهر متيسرة، فرأى عبد الله بن سرجس رضي الله عنه موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع، والجمع هو جمع اليد عندما تقبض. وجاء في صحيح مسلم: فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعًا، عليه خيلان كأمثال الثآليل. وناغض الكتف هو العظم الرقيق الناتئ على طرفها، فهذا يدل على أن خاتم النبوة كان بين الكتفين، ولكنه إلى جانب الكتف الأيسر أقرب، وقوله: حولها خيلان كأنها ثآليل. الخيلان جمع خال، وهو ما يقال له الشامة، وهي قطعة صغيرة لونها أسود. والثآليل جمع ثؤلول، وهو جزء صغير ناتئ في الجسم يكون صلبًا متماسكًا. وقوله: فرجعت حتى استقبلته، أي جاء من أمامه بعد أن رأى الخاتم، فقال: غفر الله لك يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ولك. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة العظيمة بالمغفرة. فقال القوم: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني فزت بهذا الأمر العظيم حيث استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: نعم، ولكم، أي أنه صلى الله عليه وسلم استغفر لكم أيضًا، مستشهدًا بقوله تعالى: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وملخص هذا الباب إثبات خاتم النبوة بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه إلى الكتف الأيسر أقرب، وأن الخاتم هو قطعة صغيرة من اللحم حمراء اللون، إذا صغرت في وصفها فهي كبيضة الحمامة، وإذا كبرت في وصفها فهي كقبضة اليد مجتمعة، حولها شامات سود وشعرات مجتمعات. فائدة: سئل الحافظ برهان الدين الحلبي رحمه الله: هل خاتم النبوة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن كل نبي مختوم بخاتم النبوة؟ فأجاب: لا أستحضر في ذلك شيئًا، ولكن الذي يظهر أنه خُصَّ بذلك لمعانٍ عدة، منها أنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين، وليس كذلك غيره، ولأن باب النبوة خُتم به فلا يُفتح بعده أبدًا. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.