الحلقة (5) باب ما جاء في شَعر رسول الله ﷺ وترجُّله
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصف أذنيه. في هذا الحديث يصف أنس بن مالك رضي الله عنه شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائلًا بأنه يصل أحيانًا إلى نصف أذنيه، ولا ينافي هذا الأحاديث الدالة على أنه كان يبلغ منكبيه. ومعلوم أن شعر الرأس تتفاوت أحواله، ومن حكى صفة معينة لطوله فإنما يحكي ما رآه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة. في هذا الحديث دليل على جواز اغتسال الزوجين سويًا من إناء واحد، وأن هذا لا ينافي الحياء أو مكارم الأخلاق. وقولها: وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة، ولفظ الحديث عند أبي داود: فوق الوفرة ودون الجمة. ومر معنا أن الجمة هي الشعر النازل إلى المنكبين، والوفرة ما بلغ شحمة الأذن، وهذا يدل على أن شعره صلى الله عليه وسلم كان متوسطًا بين الجمة والوفرة. وجاء في بعض الروايات أن شعره صلى الله عليه وسلم كان جمة، ولعل ذلك باعتبار اختلاف أحواله صلى الله عليه وسلم. وعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قَدْمَةً وله أربع غدائر. في هذا الحديث تخبرنا أم هانئ، وهي ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الله عليه وسلم قدم مكة ذات مرة وله أربع غدائر. وفي رواية لها أيضًا: رأيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضفائر أربعة. والغدائر جمع غديرة، والضفائر جمع ضفيرة، وكل من الغديرة والضفيرة بمعنى الذؤابة، وهي جمع الشعر ولفه وإدخال بعضه في بعض. وفيه مشروعية أن يجعل الرجل شعره ضفائر بشرط ألا يؤدي ذلك بصاحبه إلى الشهرة، أو نقص المروءة، أو الانتقاص من فاعل ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه. في هذا الحديث يخبر الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه كان يسدل شعره، أي يترك شعر ناصيته مرسلاً على جبهته، وقيل: السدل أن يرسل الشخص شعره من ورائه ولا يجعله فرقتين. وقوله: وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، أي أن من عادة المشركين فرق رؤوسهم، والفرق هو أن يقسم شعر الرأس من وسطه إلى نصفين، أحدهما إلى جهة اليمين والآخر إلى جهة اليسار. وقوله: وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء؛ لأن أهل الكتاب لديهم كتاب سماوي من حيث الجملة، فيحتمل أن يوافق بعض أعمالهم ما جاء في كتبهم، بخلاف المشركين، فإن دينهم برمته دين حادث، ونابت من أفكار الناس وتخرصاتهم. وقوله: ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه. أي ألقى شعر رأسه إلى جانبي رأسه، فلم يترك منه شيئًا على جبهته. فائدة: سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن إطالة شعر الرأس وتوفيره، هل هو من السنة أم لا؟ فقال: لا، ليس من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه، حيث إن الناس في ذلك الوقت يتخذونه، ولهذا لما رأى صبيًا حلق بعض رأسه قال: احلقه كله أو اتركه كله، ولو كان الشعر مما ينبغي اتخاذه لقال له: أبقه. وعلى هذا فنقول: اتخاذ الشعر ليس من السنة، لكن إن كان الناس يعتادون ذلك فافعله، وإلا فافعل ما يعتاده الناس؛ لأن السنة قد تكون سنة بعينها، وقد تكون سنة بجنسها، لكن يجب أن يُحذر أشد الحذر من التشبه بالكفار أو بالنساء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم. وأيضًا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء. ومع هذا فبعض الشباب قد يربي شعره ويطيله، ويكون في تسريحه له مثل المرأة تمامًا، وبعضهم ربما تشبه بالكفار في قصة الشعر أو لونه، وهذه مصيبة عظيمة، والله المستعان. وأيضًا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القزع، وهو حلق بعض الشعر وترك بعضه، وهذا الأمر قد انتشر في هذا الزمان، فترى كثيرًا من الناس يحلق جانبي رأسه ويترك شعره من الأعلى، وهذا هو القزع المنهي عنه. باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. الترجل هو تسريح الشعر وتنظيفه والعناية به، وكان هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وفي سائر الأبواب وسطًا، فليس حاله كحال من همه شعره، فيقضي في تسريحه وإصلاحه أوقاتًا طويلة، ولا كحال من يهمل شعره ولا يعتني به البتة، وإنما كان وسطًا دون إفراط أو تفريط. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض. في هذا الحديث تخبرنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وفيه دليل على جواز ترجيل المرأة رأس زوجها ولو كانت حائضًا، كما يدل على جواز ملامسة الحائض لزوجها وملامسته لها، وأن جسم الحائض ليس بنجس، وفيه بيان مشروعية ترجيل الشعر، وأنه لا ينافي الزهد الشرعي المندوب إليه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل. في هذا الحديث تخبرنا أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله، كما ورد في رواية البخاري. وقولها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحب التيمن، أي الابتداء في الأفعال باليد اليمنى، والرجل اليمنى، والجانب الأيمن، ولعل وجه المحبة له أنه كان يحب الفأل الحسن، وأصحاب اليمين أهل الجنة، يؤتون كتبهم بأيمانهم، ولمزيد مزيد قوتها المقتضية لزيادة إكرامها. وقولها: وفي طهوره إذا تطهر، أي في وضوئه وغسله، فيبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وكذلك يغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى. وقولها: وفي ترجله إذا ترجل، أي إذا مشط شعر رأسه بدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر، وكذلك يفعل عندما يدهن رأسه. وقولها: وفي انتعاله إذا انتعل، أي إذا أراد أن يلبس نعليه بدأ بالقدم اليمنى قبل اليسرى. قال الإمام النووي رحمه الله. هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه. وأما ما كان بضده، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم. وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبًّا. في هذا الحديث يذكر الصحابي الجليل عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبًّا، أي إلا حينًا بعد حين، وذلك بأن يسرحه يومًا ويدعه يومًا، فلا يجوز للإنسان أن يجعل الترجل شغله الشاغل، وإنما يكون وسطًا، فلا يهمله بالكلية، ولا يجعله أعظم همه وشغله. والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجل في كل وقت؛ لأنه نوع من الترفه والتنعم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن كثير من الإرفاه. فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الترجل كل يوم هو نهي تنزيه لا تحريم، والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب، ولا فرق في ذلك بين شعر الرأس واللحية. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.