الحلقة (7) باب ما جاء في كُحْلِ رسول الله ﷺ ولِباسه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر. الكحل نوع من الحجر، منه ما هو أسود اللون، ومنه ما هو مائل إلى الحمرة. وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الإِثْمِدُ، وَهُوَ سَرِيعُ التَّفَتُّتِ، وَيُسْحَقُ تَمَامًا بِحَيْثُ يَكُونُ نَاعِمًا، ثُمَّ يُوضَعُ فِي الْعَيْنِ عَنْ طَرِيقِ الْمِيلِ أَوْ نَحْوِهِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّرْغِيبُ بِالِاكْتِحَالِ بِهِ خَاصَّةً. وَالِاكْتِحَالُ بِالإِثْمِدِ ذَكَرَ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فَوَائِدَ، جَمَعَ خُلاصَتَهَا العَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ: وَفِي الْكُحْلِ حِفْظٌ لِصِحَّةِ الْعَيْنِ، وَتَقْوِيَةٌ لِلنُّورِ الْبَاصِرِ، وَجَلاءٌ لَهَا، وَتَلْطِيفٌ لِلْمَادَّةِ الرَّدِيئَةِ، وَاسْتِخْرَاجٌ لَهَا، مَعَ الزِّينَةِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ، وَلَهُ عِنْدَ النَّوْمِ مَزِيدُ فَضْلٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْكُحْلِ، وَسُكُونِهَا عَقِيبَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ الْمُضِرَّةِ بِهَا، وَخِدْمَةِ الطَّبِيعَةِ لَهَا، وَلِلْإِثْمِدِ مِنْ ذَلِكَ خَاصِّيَّةٌ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، مِنَ الْجَلاءِ: أَيْ يُحَسِّنُ النَّظَرَ وَيَزِيدُ نُورَ الْعَيْنِ. وَقَوْلُهُ: وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ، الْمُرَادُ بِالشَّعَرِ هُنَا شَعَرُ الأَهْدَابِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ وِقَايَةً لِلْعَيْنِ وَسُورًا عَلَى أَجْفَانِهَا. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعَرِ، مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى، مُصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ. وَقَوْلُهُ عِنْدَ النَّوْمِ، فِيهِ بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ كُحْلُ التَّطَيُّبِ. وقال القاري رحمه الله: وتعليل الأمر بالاكتحال بالمنافع الدنيوية لا ينافي كون الأمر للسنية، لا سيما وقد وقعت مواظبته الفعلية، وترغيباته القولية صلى الله عليه وسلم، وتلك المنافع وسيلة إلى الأمور الأخروية. وفي التعليل إشارة لطيفة إلى أن المكتحل إذا أراد تحصيل السنة ينبغي أن يقصد بالاكتحال المعالجة والدواء، لا مجرد الزينة كالنساء. ولذا ذهب الإمام مالك إلى كراهة الاكتحال للرجال مطلقًا إلا للتداوي. ويشرع أيضًا الاكتحال وترًا، فقد ثبت الاكتحال وترًا من فعله صلى الله عليه وسلم وقوله. أما فعله، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وترًا. وأما قوله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترًا، وإذا استجمر فليستجمر وترًا. فائدة: ثبت على أرض الواقع أن بعض ما يباع من الإثمد لا يسلم من الغش، بحيث يكون مخلوطًا بنوع من الرصاص يسحق معه، أو فيه شيء من التلوث، فيصبح عندئذ مضرًا لا نافعًا. فلهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على أخذ الإثمد الجيد الذي يطمئن لسلامته. باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي بيان ما ورد في صفة لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، وما يتعلق باللباس من أحكام وآداب. وقد ذكر العلماء أن اللباس تعتريه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجبًا، كاللباس الذي يستر العورة من العيون، ومندوبًا، كالثوب الحسن في العيدين والجمع، ومحرمًا، كلبس الحرير للرجال، ومكروهًا، كلبس الثياب الرثة دائمًا للغني، ومباحًا، وهو ما عدا ذلك. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. في هذا الحديث تخبرنا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم القميص، والقميص هو الثوب والجلباب المعروف، له كمان تدخل فيهما اليدان، وفتحة للعنق، وإنما سمي القميص قميصًا لأن الآدمية يتقمص فيه، أي يدخل فيه ليستره. قال العلماء: وإنما كان القميص أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أستر للبدن من الإزار والرداء اللذين يحتاجان إلى كثير من الربط والإمساك. كما أنه مريح في الحركة، خفيف في لبسه وخلعه. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة لنبايعه، وإن قميصه لمطلق، أو قال: زر قميصه مطلق. قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم. في هذا الحديث يخبر معاوية بن قرة عن أبيه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة ليبايعوه على الإسلام، والرهط هم القوم ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقوله: وإن قميصه لمطلق، أو زر قميصه مطلق، أي إن زر قميصه ليس مغلق، وإغلاق زر القميص هو الأصل، وإذا كان هناك حاجة لإطلاقه فلا بأس، وكون بعض الناس يتسنن بإطلاقه فهذا لا يعرف له دليل واضح على مشروعيته. وهذا الحديث لا يدل على ذلك لا من قريب ولا من بعيد، لأنه لا يعلم هل فتحه صلى الله عليه وسلم تعبداً وتسنناً، أو أنه فتحه لغرض من الأغراض، إما لشدة حر، أو لحرارة في الصدر، أو ما أشبه ذلك. بل الذي يغلب على الظن أنه لم يفعله تسنناً، لأنه لو كان هذا من السنة لم يجعل الزر أصلاً. وقوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، أي أن قرة رضي الله عنه أدخل يده في جيب قميص النبي صلى الله عليه وسلم، والجيب هو موضع إدخال الرأس من القميص، فلمس بيده خاتم النبوة في ظهره صلى الله عليه وسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يتكئ على أسامة بن زيد، عليه ثوب قطري قد توشح به، فصلى بهم. في هذا الحديث يخبرنا الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يتكئ على أسامة بن زيد، وفي رواية أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس في مرضه الذي مات فيه، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم خرج من بيته وهو يستند إلى بعض أصحابه لضعفه بسبب المرض. وقوله: وعليه ثوب قطري، الثوب القطري هو نوع من القماش من قطعة واحدة حمراء لها أعلام، فيها بعض الخشونة، تحمل من قبال البحرين. وقوله: قد توشح به، التوشح هو في الأصل لبس الوشاح، ويقال توشح بثوبه وبسيفه إذا ألقاه على عاتقه كالوشاح. والمراد هنا أنه صلى الله عليه وسلم أدخل الثوب تحت يده اليمنى وألقاه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم. وقوله فصلى بهم، أي إمامًا. وعن حميد أنه قال: آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في مرضه الذي قبض فيه، في ثوب واحد متوشحًا به قاعدًا. فائدة: قال عبد بن حميد، قال محمد بن الفضل: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة، فقال: لو كان من كتابك. فقمت لأخرج كتابي، فقبض على ثوبي ثم قال: أمليه علي، فإني أخاف أن لا ألقاك. قال: فأمليته عليه، ثم أخرجت كتابي فقرأت عليه. في هذا الأثر أن محمد بن الفضل أراد أن يسوق الإسناد من حفظه، فطلب منه ابن معين أن يسوقه من كتابه؛ لأنه أضبط. فلما قام ابن معين ليخرج كتابه بناء على طلبه، قبض على ثوبه ثم قال: أمليه علي، أي من حفظك، فإني أخاف أن لا ألقاك. وذلك من شدة الحرص ورعاية الوقت، والخوف من أن يحول الموت بينهم أو بعض العوائق، فأملاه عليه من حفظه. ثم أخرج كتابه فقرأه عليه من كتابه مرة أخرى، وفي هذا الأثر بيان حرص السلف رحمهم الله، وعنايتهم الشديدة بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كانوا فيه من التوثق في الرواية، والحرص على تحصيل العلم، مع عدم طول الأمل والرغبة في الدنيا. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.