الحلقة (8) باب ما جاء في لباس رسول الله ﷺ
نص الحلقة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. بِأَقْلَامِ الشَّوقِ وَمِدَادِ الحُبِّ نُسَطِّرُ حُروفًا أَغْلَى مِنَ الذَّهَبِ فِي وَصْفِ سَيِّدِ الخَلْقِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الشَّمَائِلُ المُحَمَّدِيَّةُ. بابُ ما جاءَ في لِباسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ: عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ. فِي هَذَا الحَدِيثِ دُعَاءٌ مُبَارَكٌ يُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَمَا يُكْرِمُهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِلِبَاسٍ جَدِيدٍ، قَمِيصًا كَانَ أَوْ عِمَامَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا، أَيْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا، سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، أَيْ المُتَعَارَفِ عَلَيْهِ، سَوَاءً كَانَ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، كَأَنْ يَقُولَ: رَزَقَنِي اللهُ هَذِهِ العِمَامَةَ، أَوْ كَسَانِي هَذَا القَمِيصَ. وقوله ثم يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أي يشرع له أن يدعو فيقول: اللهم لك الحمد كما كسوتني هذه العمامة أو هذا القميص أو هذا الرداء. يسميه باسمه، مستحضرًا مِنَّةَ الله سبحانه وتعالى عليه به، يستر عورته ويتجمل به. كما قال تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا. وكثير من الناس عندما يلبس ثوبًا جديدًا ينصرف ذهنه عن حمد الله إلى فخره بجدارته في تحصيل الثوب مثلًا، أو براعته في انتقائه، أو مهارة حائكه، أو غير ذلك من المعاني. وقوله: أسألك خيره وخير ما صنع له، أي أسألك يا ربي خير هذا الثوب، وهو بقاؤه ونقاؤه، وكونه ملبوسًا للضرورة والحاجة، وخير ما صنع له، أي من الضرورات التي من أجلها يُصنع اللباس، من الحر والبرد وستر العورة. وقوله: وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، أي أعوذ بك يا ربي من شر هذا الثوب، وهو كونه حرامًا ونجسًا، أو لا يبقى زمانًا طويلًا، وشر ما صنع له، بأن يكون سببًا للمعاصي والشرور، والافتخار والعجب والغرور، أو يكون على ثيابه صورًا محرمة. أو يكون الثوب ضيقًا يحجم العورة، أو ينزل تحت الكعبين. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه الحِبَرة. في هذا الحديث أن أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الحِبَرة، أي المزينة، والتحبير هو التجميل والتزيين. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يلبس من الثياب القطن أو الكتان التي فيها نوع من التزيين، كأن يكون فيها مثلًا سواد وبياض، أو سواد وحمرة، أو تكون ثيابًا مقلمة. والجمع بين حديث أنس وحديث أم سلمة رضي الله عنهما أن أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم القميص باعتبار الصنع والنوع، والحِبَرة أحبها إليه باعتبار اللون. وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه. قال سفيان: أراها حِبَرة. في هذا الحديث يخبرنا الصحابي الجليل أبو جحيفة رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، والحلة كما مر معنا لا تكون إلا من قطعتين: إزار ورداء. قال سفيان الثوري رحمه الله: أراها حِبَرَة، بمعنى أنها مخططة ومزينة، وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلبس الأحمر الخالص، وقد نهى عن ذلك نهيًا شديدًا. وقوله: كأني أنظر إلى بريق ساقيه، البريق هو الوضاءة واللمعان، وهذه صفة جسده الشريف صلى الله عليه وسلم. وفي هذا إشارة إلى أن إزاره صلى الله عليه وسلم كان إلى أنصاف ساقيه. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ما رأيت أحدًا من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كانت جمته لتضرب قريبًا من منكبيه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالبياض من الثياب، ليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البسوا البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم. في هذين الحديثين ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على لبس البياض. والبياض من الثياب أفضل من غيره من الألوان، سواء الخالصة منها أو المخططة. ومن أسباب تفضيل اللون الأبيض من الثياب قوله صلى الله عليه وسلم: فإنها أطهر وأطيب، فهي تمتاز عندما تغسل بطيبها ونقائها وظهور صفائها، وإذا وجد فيها شيء من الوسخ ظهر مباشرة، بخلاف الثياب الأخرى، فإنها ربما تتسخ ولا يظهر الوسخ. ولهذا اختاره صلى الله عليه وسلم دون غيره من الألوان في دعائه، حيث قال: اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. وقوله: وكفنوا فيها موتاكم، رغب النبي صلى الله عليه وسلم في تكفين الموتى باللون الأبيض. قيل: تفاؤلًا بأن العبد يقدم على ربه وقد نقى بدنه وثوبه من الأدناس وصار أبيض، وأنه من الذين تبيض وجوههم، ومن الذين يسعى نورهم بين أيديهم، والأمر فيه للاستحباب. وقوله: فإنها من خير ثيابكم، لدلالتها غالبًا على التواضع وعدم الكبر والعجب والخيلاء. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مِرْطٌ من شعر أسود. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة، أي في الصباح الباكر. وعليه مِرطٌ من شعرٍ أسود، والمِرط هو كساءٌ طويلٌ واسعٌ يُؤتزر به، يكون تارةً من صوفٍ وتارةً من شعرٍ، كما في هذا الحديث ونحو ذلك. وجاء في رواية مسلم: وعليه مِرطٌ مُرَحَّل، أي عليه صور رحال الإبل. قال النووي رحمه الله: ولا بأس بهذه الصور، وإنما يحرم تصوير الحيوان. وفي هذا الحديث أيضًا بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا، والإعراض عن متاعها وملاذها وفاخر لباسها. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبةً روميةً ضيقةَ الكمين. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبةً رومية، والجبة نوعٌ من اللباس يُلبس فوق القميص، ورومية أي نسبةً إلى الروم، ويستفاد منه جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرومية ولم يستفصل. وقوله: ضيقة الكمين، الكمان هما موضع إدخال اليد من اللباس، وكانا ضيقين، وكان هذا في السفر في غزوة تبوك كما دلت عليه بعض الروايات. من فوائد الباب: نلاحظ تنوع لباس النبي صلى الله عليه وسلم، فلبس الإزار والرداء، ولبس الكساء، ولبس القميص، وأنواعًا أخرى من الألبسة، وهذا يبين أن الأمر في اللباس واسع، وأن الأصل فيه الحل ما لم يدل الدليل على تحريمه. قال الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له: تبلي ويخلف الله تعالى، أي لا تزال متمتعًا بالعمر والصحة والعافية في هذا الثوب حتى يبلى، ثم يعوضك الله عز وجل بغيره. فهو متضمن للدعوة له أن يعيش حياة حميدة طيبة، لأن الثوب إنما يبلى بعد مدة طويلة من الزمن. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة، والمخيلة هي الخيلاء. وجاءت السنة بذكر بعض المحاذير فيما يتعلق باللباس، منها الإسبال، وهو أن ينزل ثوب الرجل أسفل من كعبيه، فقد جاء في هذا نهي ووعيد شديد في أحاديث كثيرة، ولهذا عده جماعة من أهل العلم في الكبائر. من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير، وعن اتخاذ لباس الشهرة، وهو أن يلبس الإنسان لباسًا يتميز به بين أهل بلده. وأيضًا جاء النهي عن التشبه بالنساء، فقد قال صلى الله عليه وسلم: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء. وجاء النهي عن التشبه بالكفار، قال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم. وختامًا، أخبرنا معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.