الحلقة (11) باب ما جاء في صفة سيف رسول الله ﷺ ودِرْعه ومِغْفَره
نص الحلقة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أنس رضي الله عنه قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة. في هذا الحديث يخبرنا الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من فضة، والقبيعة هي ما يكون على طرف مقبض السيف لئلا تنزلق اليد. قال الخطابي: قبيعة السيف هي الثومة التي تكون فوق المقبض، وذكر أنها كانت من فضة يدل على الرخصة في تحلية السيف ونحوه من أدوات الحرب بالفضة. قال ابن قدامة رحمه الله: ولا بأس بقبيعة السيف من فضة، لما روى أنس رضي الله عنه قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة. وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة، أنا رأيته. لكن جاء في سنن ابن ماجه عن سليمان بن حبيب قال: دخلنا على أبي أمامة، فرأى في سيوفنا شيئًا من حليةٍ فضة، فغضب وقال: لقد فتح الفتوح قوم ما كان حلية سيوفهم من الذهب والفضة، ولكن الآنك والحديد والعلابي، أي كانت حلية سيوفهم من الرصاص والحديد والجلود الخام. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الحديث: إن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى. وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك غنية، لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم. ويجمع بين حديث الباب الذي فيه الرخصة بأن تكون قبيعة السيف من فضة، وبين حديث أبي أمامة هذا، أن أبا أمامة رضي الله عنه إنما أنكر عليهم لما رآهم توسعوا في هذا الأمر، فإن ذلك ربما شغلهم في جهادهم، وهذا لا يلزم منه النهي عن هذه الرخصة. ومن تمام الفائدة قال ابن القيم رحمه الله: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسعة أسياف: مأثور، وهو أول سيف ملكه ورثه من أبيه، والعضب، وذو الفقار. والقلعي، والبتار، والحتف، والرسوب، والمخدم، والقضيب. باب ما جاء في صفة درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. الدرع هو لباس يصنع من حلق الحديد، ويلبس مثل القميص، يقي المقاتل بإذن الله، ويحميه من ضرب النبل أو السيف أو نحو ذلك. عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: كان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم عليه حتى استوى على الصخرة. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوجب طلحة. وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه يوم أحد درعان قد ظاهر بينهما. من هذين الحديثين نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر في معركة أحد بين درعين اثنين، أحدهما فوق الآخر، وفي هذا مزيد من الحماية والوقاية، وهذا لا ينافي التوكل. قال ابن القيم رحمه الله: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم المتوكلين. وكان يلبس لأمته ودرعه، بل ظاهر يوم أحد بين درعين، واختفى في الغار ثلاثة، فكان متوكلًا في السبب لا على السبب. وقوله: فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، أي قام متوجهًا إلى الصخرة التي كانت هناك ليستوي عليها، ليشرف على أصحابه ويرى ما آل إليه الأمر، وقد يكون عدم استطاعته صلى الله عليه وسلم للنهوض على الصخرة إما لعلوها وارتفاعها، أو يكون لثقل الدرعين اللتين كانتا عليه، أو بسبب الإصابة التي أصابته في معركة أحد. وقوله: فأقعد طلحة تحته، أي طلب من طلحة رضي الله عنه أن يقعد تحته ليستند عليه ويتمكن من الصعود على الصخرة. وقوله: أوجب طلحة، أي عمل عملًا أوجب له الجنة، فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تمام الفائدة قال ابن القيم رحمه الله: وكان له صلى الله عليه وسلم سبعة أدرع، ذات الفضول، وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعًا، وكان الدين إلى سنة، وكانت الدرع من حديد، وذات الوشاح، وذات الحواشي، والسعدية. وفي الضَّحى، والبتراء، والخرنق. باب ما جاء في صفة مغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم. المغفر هو ما يلبسه المقاتل فوق رأسه مثل الخوذة، يُصنع من الحديد لحماية الرأس من النبل وضربات السيف ونحو ذلك. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه مغفر، فقيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه. وعن ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، قال: فلما نزعه جاءه رجل فقال له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه. قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ محرماً. يخبرنا أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فجاءه رجل فقال له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه. قتله بين الركن والمقام. وابن خطل هو أحد الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم فتح مكة، وأمر بقتلهم أينما وجدوا في الحل والحرم. وكان ابن خطل هذا قد أسلم، ثم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع رجل من الأنصار في أمر، فلما كانا في السفر قتل ابن خطل صاحبه الأنصاري، ثم ارتد وذهب إلى مكة، وأخذ يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، واتخذ قينتين تغنيان له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وسبه وسب أصحابه. فلما كان يوم الفتح أهدر صلى الله عليه وسلم دمه. وقوله: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ محرماً، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة محرماً يوم الفتح. ويستفاد منه أن من أراد دخول مكة لحاجة فليس عليه أن يلبس الإحرام، وإنما لبس الإحرام يلزم من أراد دخول مكة لحج أو عمرة. ومن تمام الفائدة قال ابن القيم رحمه الله: وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مغفر من حديد يقال له الموشح، ومغفر آخر يقال له السبوغ أو ذو السبوغ. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.