الحلقة (12) باب ما جاء في صفة عِمامة رسول الله ﷺ وإزاره
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. العمامة اسم يطلق على ما يلبس على الرأس ويغطيه كاملًا، ومن عادة العرب لبس العمامة. عن جابر رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، ومر معنا أنه دخلها وعلى رأسه المغفر، ولا تنافي بين الحديثين لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم قد لبس المغفر لحماية رأسه ومن فوقه العمامة، ولاحتمال أيضًا أن يكون المغفر على رأسه صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم لما استتبت الأمور نزع المغفر ولبس العمامة. وعن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال. رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر وعليه عمامة سوداء. في هذا الحديث دليل على جواز لبس السواد أحيانًا، ومن هنا جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعارًا لهم، ولولاتهم، ولقضاتهم، وخطبائهم. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد. وعن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه. قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك. قال عبيد الله: ورأيت القاسم بن محمد وسالمًا يفعلان ذلك. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم، أي لبس العمامة ولفها على رأسه، أسدل عمامته بين كتفيه، أي أرخى عمامته وأرسلها لينزل طرفها بين الكتفين، ويسمى الذؤابة. وقوله: وكان ابن عمر يفعل ذلك، أي يفعل في عمامته مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. فيجعل لها ذؤابة بين كتفيه، وقوله: ورأيت القاسم ابن محمد وسالمًا يفعلان ذلك، أي يجعلان لعمامتهما ذؤابة يرسلانها بين الكتفين، إشارة إلى أن الصلحاء يقلد بعضهم بعضًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عصابة دسماء. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عصابة دسماء، والعصابة هي ما يلف به الرأس ويعصب، وهي بمعنى العمامة، وقوله دسماء أي سوداء، وقيل لونها كلون الدسم وهو الدهن، وهذا من آثار الطيب الذي كان يضعه صلى الله عليه وسلم على رأسه. تنبيه: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في فضل لبس العمامة، وكل ما صح عنه في هذا الباب هو لبسه صلى الله عليه وسلم لها، وهل يقال إن لبس العمامة سنة؟ الأصل أن للإنسان أن يلبس لباس أهل بلده، ولا يميز نفسه بشيء عنهم ما لم يخالف الشرع، والنبي صلى الله عليه وسلم لبس العمامة لأنها كانت لباس قومه، وقد لبسها تحت القلنسوة، ولبس العمامة بدون القلنسوة. ولبس القلنسوة بدون العمامة، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يرخي للعمامة ذؤابة أحيانًا، وأحيانًا يلبسها بدون ذؤابة، كما بين ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله. باب ما جاء في صفة إزار رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإزار هو ما يلف به جزء البدن الأسفل، والرداء هو ما يوضع على الكتفين ويغطى به جزء البدن الأعلى. عن أبي بردة رضي الله عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله عنها كساءً ملبدًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. في هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها أخرجت لبعض التابعين كساءً ملبدًا، والكساء قطعة من القماش ليست مخيطة، وإنما هي على حالها، وكان صلى الله عليه وسلم يغطي بها جزء بدنه الأعلى، والملبد هو المرقع، أي ثخن وسطه بكثرة الرقاع فصار سميكًا، وقوله: وإزارًا غليظًا، أي قطعة قماش سميكة كان يلف بها صلى الله عليه وسلم جزء بدنه الأسفل، وقولها: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. أي في هذين الثوبين، وأرادت رضي الله عنها أن تبين أن هذه الثياب مع ما فيها من الخشونة والرثاثة هي لباسه بعد فتح الفتوح، وفي أيام كمال سلطانه، واستيلائه على أكثر الأرض، وقهره لأعدائه؛ لأن زمن وفاته زمن قوة الإسلام، ومع ذلك لم يكترث بزخرف الدنيا ولا بمتاعها الفاني. وعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى. فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء. قال: أما لك في أسوة؟ فنظرت، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. في هذا الحديث أن الصحابي عبيد بن خالد المحاربي رضي الله عنه كان يمشي في المدينة، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ارفع إزارك؛ لأن لبس الإزار يحتاج إلى تعهد، فكلما مشى الإنسان استرخى إزاره، لذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتعهده، معللًا ذلك بأنه أتقى، أي فيما بينك وبين الله عز وجل بتحقيق طاعته. وأبقى، أي لثوبك؛ لأنك إذا رفعته سلم، وطالت مدة بقائه عندك، بخلاف ما إذا أرخيته، فإن الأرض تؤثر فيه. وجاء في رواية: فإنه أبقى وأنقى، أي أنظف للثوب. فقال الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي بردة ملحاء، أي أن هذا اللباس الذي ألبسه فيه بياض يخالطه سواد، وهو من لباس الأعراب، ليس من الثياب الفاخرة، كأنه يريد أن يقول: إن هذا ثوب لا اعتبار له، ولا يلبس في المجالس والمحافل، وإنما هو ثوب مهنة لا ثوب زينة. وقوله صلى الله عليه وسلم: أمالك في أسوة؟ أي قدوة ومتابعة، والمعنى أن الحريص على التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يقصر ثيابه، حتى ولو لم يكن له نظر إلى حفظ ثوبه، أو لم يقم في قلبه من الكبر والخيلاء الذي يتوقع في الإسبال؛ لأن مجرد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي من المرء أن يرفع ثيابه. لذلك عندما نظر الصحابي إلى إزار النبي صلى الله عليه وسلم رآه إلى نصف ساقيه. ونظير هذا ما روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم طعن جاءه الناس يودعونه ويثنون عليه. فَجَاءَهُ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلَيْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٍ. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي. فَلَمَّا أَدْبَرَ الشَّابُّ، إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ. قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ. فَقَالَ لَهُ: ابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ. وَأَيْضًا نَحْوٌ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَيْثُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيَّ إِزَارٌ يَتَقَعْقَعُ، أَيْ يَضْطَرِبُ وَيَتَحَرَّكُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَارْفَعْ إِزَارَكَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَفَعْتُ إِزَارِي إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ، وَلَمْ تَزَلْ إِزْرَتُهُ حَتَّى مَاتَ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَضَلَةِ سَاقِي أَوْ سَاقِهِ، فَقَالَ: هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك بعضلة ساقه أو ساق حذيفة رضي الله عنه، شك الراوي، وقال: هذا موضع الإزار، والعضلة هي الشحم المتماسك خلف الساق، فإزرة المؤمن إلى نصف ساقه أو عضلة ساقه. وقوله: فإن أبيت، أي امتنعت عن الأخذ بالعزيمة في رفع الإزار إلى نصف الساق، فلك رخصة في الإسبال عن ذلك الموضع شريطة ألا يصل إزارك إلى الكعبين، فإنه لا حق للكعبين في وصول الإزار إليهما، ولهذا قال: فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين. فائدة: إذا علم المسلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم صحت عنه أحاديث كثيرة جدا في التحذير من الإسبال، كقوله صلى الله عليه وسلم: ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار، وقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، فكيف يرضى لنفسه بهذا الوعيد الشديد الذي يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب؟ قال العلماء: إنما نزل عن الكعبين من الثياب ممنوع منع تحريم مطلق. سواء كان للخيلاء أو لغير الخيلاء، لكنه للخيلاء أشد تحريماً. ومما يؤسف له أن بعض سفهاء الشباب كانوا إذا رأوا من عليه ثوب إلى أنصاف ساقيه سخروا منه، ثم لما رأوا الغربيين بعد فترة يلبسون البنطال إلى الركبة صنعوا مثل صنيعهم، فخرجوا في الشوارع بالبناطيل إلى الركبة، وهذا يدل على مرض في قلوب أولئك الشباب، حيث أعرضوا بل سخروا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خير الهدي، وأقبلوا على الباطل الذي جاء من أعدائهم. وهذا الحكم، أي رفع الثوب إلى نصف الساق، خاص بالرجال دون النساء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، قالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه، والذراع من المرفق إلى أطراف الأصابع. فالمرأة مأمورة بالستر، وهو يعد صيانةً لها وحفاظاً لها عن النظرات الآثمة الخاطئة، فلذا أمرت بأن ترخي ثوبها هذا الإرخاء، وإن كان الثوب قد يعرض له بعض الوسخ، لكن المصلحة في ستر قدميها أكبر وأرجح. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.