الحلقة (13) باب ما جاء في مِشْية رسول الله ﷺ وجِلسته وتُكَأَتِه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. المشية: أي الهيئة التي يعتادها الإنسان في المشي. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، ولا رأيت أحدًا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. في هذا الحديث يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. لم يقل: ما رأيت إنسانًا، وإنما قال: ما رأيت شيئًا، ليعم كل ما رآه من إنسان أو قمر أو شمس أو غير ذلك من الأشياء الحسنة البهية الجميلة. وقوله: كأن الشمس تجري في وجهه، أي لشدة إشراق وجهه صلى الله عليه وسلم وتلألئه. يُخَيَّلُ للناظر أن الشمس تتلألأ في وجهه، وقوله: وما رأيت أحدًا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو الشاهد من الحديث، كأنما الأرض تُطوى له، أي كأن الأرض التي يمشي عليها تدنو ويقرب بعضها من بعض. وقوله: إنا لَنُجهِد أنفسنا وإنه لغير مكترث، أي يمشي هذه المشية لا عن إجهاد نفس ولا تكلف، وإنما هو مشيه المعتاد. ومع ذلك فإن الصحابة يجهدون أنفسهم إذا مشوا معه، وفي هذا إشارة إلى قوة بدنه صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم رحمه الله: كان إذا مشى تكفأ تكفؤًا، وكان أسرع الناس مشيةً وأحسنها وأسكنها. فائدة: وهديه صلى الله عليه وسلم في المشي أكمل الهدي، كان وسطًا كما هو شأنه في أموره كلها، عملًا بقوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، أي ليكن مشيك وسطًا بين الإفراط والتفريط. وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، أي كأنه ينزل من منحدر في الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي مشيًا يُعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان. وأما مشيه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه... فَكَانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَهُمْ، وَيَقُولُ: دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ. وَكَانَ يَمْشِي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَكَانَ يُمَاشِي أَصْحَابَهُ فُرَادَى وَجَمَاعَةً، وَمَشَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ مَرَّةً، فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ وَسَالَ مِنْهَا الدَّمُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ. وَكَانَ فِي السَّفَرِ يَمْشِي خَلْفَ أَصْحَابِهِ، يُزْجِي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُهُ وَيَدْعُو لَهُمْ. بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. التَّقَنُّعُ هُوَ وَضْعُ الْقِنَاعِ عَلَى الرَّأْسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِقِطْعَةٍ مِنْ قِمَاشٍ أَوْ نَحْوِهِ. وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، وَلَكِنْ يُنَاسِبُ هَذَا الْبَابَ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا، أَيْ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ. وَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ السَّاعَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفَعَلَهُ لِلْحَاجَةِ، وَلَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ التَّقَنُّعُ. بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أي بيان الأحاديث الواردة في صفة جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجلسة هي هيئة الجلوس والحالة التي عليها الجالس. عن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة، أرعدت من الفرق. في هذا الحديث أن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفصاء، وجلسة القرفصاء هي أن يجلس الرجل على إليتيه ويضم فخذيه إلى بطنه ويشدهما بيديه، وسميت القرفصاء لأن الجسم يتقرفص فيها، أي يتجمع وينضم بعضه إلى بعض، ويقال لها الاحتباء أيضًا. وقولها المتخشع في الجلسة، أي الذي يظهر عليه تمام الخشوع، وفي هذا بيان لصفة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسته وتواضعه لربه وخشوعه، وأن الخشوع وإن كان في الأصل عملًا قلبيًا فإنه يظهر على هيئة العبد. وقولها: أرعدت من الفرق، أي أصابتني رعدة، وهي ارتعاش البدن من الخوف، لما جعل الله له صلى الله عليه وسلم من المهابة. وعن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. في هذا الحديث أن عمَّ عباد بن تميم، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه، الذي أُري الأذان في النوم، والذي شارك في قتل مسيلمة بالسيف مع رمية وحشي له بحربته، فهذا الصحابي يحكي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا في المسجد، أي نائمًا على قفاه، ولا يلزم منه النوم، ولا يخفى أنه إذا حل الاستلقاء في المسجد حل الجلوس فيه من باب أولى، فلهذا ذُكر هذا الحديث في هذا الباب. وقوله: واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، يستوي في ذلك وضع إحدى الرجلين على الأخرى والقدمان ممدودتان، أو بإقامة إحدى القدمين وجعل الأخرى عليها. وهذه الهيئة يفعلها الإنسان أحيانًا للراحة إذا احتاج إليها، وليست هيئة مألوفة يفعلها الإنسان ابتداءً، فلذلك لا تُفعل غالبًا في المجامع، وإنما يفعلها الإنسان إذا كان خاليًا في المسجد أو في غيره، أو كان بين عدد يسير من رفقته يحتاج إليها. وقد جاء في رواية مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ على ظهره. قال النووي رحمه الله: قال العلماء: أحاديث النهي عن الاستلقاء رافعًا إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به ولا كراهة فيه على هذه الصفة. وقال أيضًا: ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد احتبى بيديه. في هذا الحديث يخبر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في المسجد احتبى بيديه، والاحتباء هو أن يجلس الإنسان على مقعدته ويضم البطن والساقين إلى الفخذين، ويقبض بيديه من أمام ساقيه، أو يدير قطعة من القماش من وراء الظهر بدلًا من اليدين، وهي جلسة تريح البدن وتغني الإنسان عن الاتكاء إلى جدار أو نحوه. والاحتباء جلسة الأعراب، وقديمًا قالوا: الاحتباء حيطان العرب، أي ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا، لأن الثوب يمنعهم من السقوط ويصيرها لهم كالجدار. وثبت الاحتباء عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة وقائع، ولكن لم يكن من عادته الدائمة أن يحتبي في المسجد. فائدة: وردت في هيئة جلسته صلى الله عليه وسلم أحاديث أخرى غير هذه، منها ما جاء عنه في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء. باب ما جاء في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي بيان الأحاديث الواردة في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتكأة هي ما يُتكأ عليه من وسادة وغيرها مما هُيِّئ وأُعِدَّ لذلك. عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على وسادة على يساره. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متكئًا على وسادة، وهي المخدة، حيث كانت تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله على يساره أي على جنبه الأيسر، وقد يتكئ على جنبه الأيمن، وهذا الاتكاء قد يحتاج إليه الإنسان لأنه يريح الجسم. وفي رواية عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال. دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيته متكئًا على مرفقه، فبيَّنت هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتمدًا على مرفقه في اتكائه ذلك، وهذه الهيئة لا تنافي الوقار ولا التواضع. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئًا، قال: وشهادة الزور أو قول الزور. قال: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى قلنا: ليته سكت. في هذا الحديث أخبر الصحابي الجليل أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ وهذا الأسلوب كثيرًا ما كان يستعمله صلى الله عليه وسلم، وهو مفيد في التعليم والتوجيه لما فيه من جذب القلوب وشد الانتباه. وقوله: الإشراك بالله، هذا أكبر الكبائر وأعظم الظلم. قال الله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم. وقوله: وعقوق الوالدين. العقوق كلمة تجمع كل إساءة للوالدين، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الوالدين عقب كبيرة الشرك دليل على عظم حقهما وخطورة عقوقهما. وقوله: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئًا، هذا هو الشاهد من الحديث، ويستفاد منه أنه لا حرج على الإنسان أن يتكئ وهو يلقي بعض مسائل العلم، وتغيير جلسته يفيد الاهتمام بهذا الأمر، وتأكيد تحريمه وعظم قبحه. وقوله: وشهادة الزور، أو قول الزور، الشك من الراوي، والزور هو التغطية والتلبيس وإظهار الأشياء على غير حقائقها زورًا وبهتانًا. وقوله: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى قلنا: ليته سكت، أي شفقة عليه صلى الله عليه وسلم ورحمة به. وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فلا آكل متكئًا. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حال الاتكاء، واختلف في تفسير الاتكاء المنهي عنه، فقال بعضهم: هو أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي وجه كان، ومنه التربع. وجزم بعض العلماء بأنه الميل على أحد الشقين. واختلفوا في حكمة النهي، فعلى التفسير الأول حتى لا يستكثر الآكل من الطعام فيسمن وتعظم بطنه، وعلى التفسير الثاني وهو الميل على أحد الشقين، فقيل لأنه فعل المتكبرين والمكثرين من الأكل نهمة، وقيل إن الآكل متكئًا لا ينحدر الطعام في مجراه سهلًا ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به، فكأنه لسبب صحي. وأما الأكل متضجعًا فهو أشد كراهة كما قال بعض أهل العلم. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.