الحلقة (14) باب ما جاء في صفة أكل رسول الله ﷺ وصفة خُبْزه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعق أصابعه ثلاثًا. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث. وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن. في الحديث الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعق أصابعه ثلاثًا، وهذه الرواية شاذة، لذلك عقب عليها الترمذي فقال: روى غير محمد بن بشار هذا الحديث يلعق أصابعه الثلاث، وهي الرواية المحفوظة الثابتة، وهي ما دل عليها الحديث الثاني والثالث في هذا الباب. وفي هذه الأحاديث بعض آداب الأكل. منها الأكل بأصابع ثلاث، ولم تعين هذه الأصابع الثلاث، لكنها معلومة، وهي الإبهام والسبابة والوسطى، وهذا من آداب الطعام المستحبة. والأكل بالأصابع الثلاث يكون في الأكل المتماسك الذي يمكن للآكل أن يقبضه بأصابعه الثلاثة. أما إذا كان الطعام متناثراً كالرز مثلاً، فلا حرج أن يأكله بأصابعه الأربع أو الخمس إن احتاج إلى ذلك. ومن آداب الأكل أيضاً لعق الأصابع بعد الفراغ من الطعام تماماً، لا أثناء الطعام؛ لأنه قد يتأذى به من يأكل معه، والحكمة في ذلك هي تحري بركة الطعام. فائدة: قال صلى الله عليه وسلم: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. وأمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسلت القصعة، أي نأكل ما تبقى فيها من الطعام طلباً للبركة. قال النووي رحمه الله: معناه والله أعلم أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة. أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والامتاع به، والمراد هنا، والله أعلم، ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من الأذى، ويقوي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم من الطعام فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها. متفق عليه. معناه، والله أعلم، لا يمسح يده حتى يلعقها، فإن لم يفعل فليلعقها غيره ممن لا يتقذر بذلك، كزوجة وجارية وولد يحبونه ولا يتقذرون بذلك. وفي الحديث جواز مسح اليد بالمنديل، لكن السنة أن يكون بعد لعقها. وعن مصعب بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر، فرأيته يأكل وهو مقعٍ من الجوع. ورد هذا الحديث عند الإمام أحمد في مسنده بلفظ: أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمر، فجعل يقسمه بمكتل واحد، وأنا رسوله به. قال: فجعل يأكل وهو مقعٍ أكلاً ذريعاً، فعرفت في أكله الجوع. كان النبي صلى الله عليه وسلم به جوع شديد، فأهدي إليه تمر، فلم يبدأ بنفسه، بل أخذ يقسمه، يرسل أنسًا خادمه بالتمر، فيذهب به إلى محتاج فيعطيه إياه، ثم يرجع ويذهب بمثله إلى آخر، وكرر ذلك حتى فرغ صلى الله عليه وسلم من قسم التمر على المحتاجين، ثم أكل صلى الله عليه وسلم. وقوله: وهو مقعٍ من الجوع، الإقعاء هو الجلوس على الوركين من غير تمكن، وجاء في بعض الروايات: وهو متحفز، بدل قوله: وهو مقعٍ، والمتحفز هو الذي يجلس كأنه مستعد للنهوض. باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذا الحديث تخبرنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي التي عاشت حياتها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فهي من أعرف الناس بطعامه، أخبرت أن خبز الشعير الذي يشبع الإنسان لم يكن في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليومين متتابعين حتى فارق الدنيا. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً هو وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. في هذين الحديثين بيان لقلة طعام أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يكن يتبقى منه شيء، بل لم يكن كافياً لإشباعهم، فضلاً عن أن يتبقى منه شيء، ومعنى يفضل أي يزيد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، أي جائعاً خالي البطن، هو وأهله لا يجدون عشاء. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قيل له: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي، يعني الحوارى؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله عز وجل. فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كانت لنا مناخل. قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: كنا ننفخه فيطير منه ما طار، ثم نعجنه. في هذا الحديث سئل سهل بن سعد رضي الله عنه: هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي، أي خبز الدقيق النظيف الأبيض؟ والحوارى هو الذي نخل مرة بعد مرة حتى صار نظيفًا أبيض خالصًا. فأجاب رضي الله عنه برد فيه مبالغة، فقال: هو لم ير النقي أصلًا فضلًا عن أن يكون أكله. وهذا في سائر حياته صلى الله عليه وسلم حتى لقي الله عز وجل. فقيل له: هل كانت لكم مناخل؟ جاء في رواية البخاري: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلًا من حين ابتعثه الله حتى قبض. فقيل له: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ أي كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ وخص الشعير بالسؤال لأن فيه أجزاء، فإذا خبزت استعسر مضغها، بخلاف ما إذا نخل فإنه يكون أخف وأيسر. فقال رضي الله عنه: كنا ننفخه، أي نطيره بعد الطحن بأيدينا أو بأفواهنا، فيطير منه ما طار ثم نعجنه. وجاء في رواية: ثم نثريه، أي نصب عليه الماء حتى يثريه ويلينه، ثم نعجنه ونأكله. عن يونس عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال. ما أكل نبي الله صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق. قال: فقلت لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السفر. في هذا الحديث يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل على خوان، والخوان مثل الطاولة الصغيرة المرتفعة عن الأرض يوضع عليها الطعام، قد تصنع من الخشب أو نحوه. وقوله: ولا في سكرجة، السكرجة إناء صغير يوضع فيه شيء من الإدام ونحوه، أو من المخللات، توضع على الموائد حول الأطعمة للتشهي وسرعة الهضم. وقوله: ولا خبز لهم مرقق، أي ملين محسن ناعم، كخبز الحوارى وشبهه، أي رغيف واسع رقيق. وقوله: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السفر. والسفرة قد تكون قطعة من الجلد تفرش ثم يوضع عليها الإناء من الطعام. وهديه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وسط بين الأكل على الأرض مباشرة وبين الأكل على خوان، فالأكل على الأرض مباشرة إذا سقط الطعام أصابه الأذى، والأكل على خوان فيه شيء من الترفه. بينما الأكل على السفرة جلسة متواضعة، وفيها حماية للطعام من الأذى إذا سقط، والأكل على الخوان مباح وليس بمحرم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان متواضعًا في طعامه وفي شؤونه كلها، وتركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تصنع عندهم إذ ذاك، أو استصغارًا لها؛ لأن عادتهم الاجتماع على الأكل، أو لأنها كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم، ولم يكونوا غالبًا يشبعون، فلم يكن لهم حاجة بالهضم. وعن مسروق قال: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت. قال: قلت: لِمَ؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم واحد. مسروق رحمه الله إمام من كبار التابعين، كان مولده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان في الكوفة فلم يره، وسمي مسروقًا لأنه سرق وهو صغير ثم وجده أهله. أما قول عائشة رضي الله عنها: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت. أي كلما أكلت من طعام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وشبعت، تذكرت الحياة التي عشتها معه صلى الله عليه وسلم من قلة الطعام، وأنه فارق الدنيا وما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم. فائدة: نستفيد من هذا الباب تقلل النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام وصبره على ذلك، وفيه أيضًا هوان الدنيا على الله جل جلاله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل عباد الله يبيت جائعًا وليس عنده شيء يأكله، مما يدل على هوان الدنيا على الله، فلو كانت عظيمة لأعطاها بأجمل بهجتها وأحسن مطعمها ومشربها وملبسها أفضل عباده. قال الطبري: استشكل بعض الناس كون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعًا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مئة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَعُمَرُ بِنِصْفِهِ، وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ، لَا لِعِوَزٍ وَضِيقٍ، بَلْ تَارَةً لِلْإِيثَارِ، وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَالِ ضِيقٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ كَذَلِكَ، فَوَاسَاهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِحِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمُ النَّضِيرُ وَمَا بَعْدَهَا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْتَارُ الشِّدَّةَ وَالْجُوعَ أَحْيَانًا، مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ التَّوَسُّعِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.