الحلقة (16) باب ما جاء في صفة إدام رسول الله ﷺ الجزء الثاني
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع، أي قُرِّب إليه الذراع وقدم له، وكانت تعجبه، أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الذراع لكونها أطيب، ولأنها في مقدمة البدن، وهي أسرع اللحم نضجًا وأكثره فائدة، مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها، ولبعدها عن مواضع الأذى من البهيمة، ومحبته صلى الله عليه وسلم لبعض الطعام تعني أنه إذا حضر عنده تناول منه قدرًا صالحًا، لا أنه يكلف الناس بإحضاره وطبخه وغير ذلك. وقوله: فنهش منها، أي قبض على اللحم بأطراف أسنانه وانتزعه من العظم. وفي روايةٍ في الصحيحين: فنهس منها، وكلاهما صحيح، والنهس يكون بأطراف الأسنان، والنهش بالأضراس. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع، قال: وسُمَّ في الذراع، وكان يرى أن اليهود سموه. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الذراع، وسُمَّ في الذراع، أي وُضع له السم فيه، وكان ذلك في غزوة خيبر. وقوله: وكان يرى أن اليهود سموه، أي أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يعتقد أن اليهود سموه. وجاءت الأدلة الكثيرة على أن اليهود هم الذين وضعوا له السم في الشاة يوم خيبر، فقد أوعزوا إلى امرأةٍ منهم يقال لها زينب بنت الحارث أن تصنع له طعامًا، وأن تضع له فيه السم ليقتلوه، فسألت عن أحب اللحم إليه، فقيل: الذراع، فوضعت السم في الشاة كاملة، لكنها كثفت كميته في الذراع، فلما نهس منها صلى الله عليه وسلم أنطق الله الذراع، فأخبرته بأن فيها سمًّا، فلفظ صلى الله عليه وسلم ما كان في فمه، ثم جيء بهذه المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقرت، وقالت: كنت أرى إن كنت ملكًا استرحنا منك. وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَاللَّهُ سَيَحْمِيكَ. فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ، وَكَانَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أَكَلَ مِنَ اللَّحْمِ فَمَاتَ، فَطَلَبَ أَوْلِيَاؤُهُ بِدَمِهِ فَقُتِلَتْ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ. وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالْقَلْبِ، إِذًا انْقَطَعَ مَاتَ الْإِنْسَانُ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى أَثَرُ مَا وَضَعَهُ فِي فَمِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِدْرًا، وَقَدْ كَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ مَا دَعَوْتُ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَبَخَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً فِي قِدْرٍ. فَطَلَبَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّرَاعَ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ ثَانِيَةً، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مُسْتَغْرِبًا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ أَيْ قَدْ نَاوَلْتُكَ ذِرَاعَيْنِ، وَالشَّاةُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا ذِرَاعَانِ. فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ مَا دَعَوْتُ، أَيْ لَوْ ذَهَبْتَ إِلَى الْقِدْرِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَنِي لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ، وَلَوْ طَلَبْتُهَا مِنْكَ مِرَارًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ سَيَخْلُقُ فِيهَا ذِرَاعًا بَعْدَ ذِرَاعٍ، مُعْجِزَةً وَكَرَامَةً لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا خُبْزٌ يَابِسٌ وَخَلٌّ. فَقَالَ: هَاتِي، مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ، فَقَالَ: أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ أَيْ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا خُبْزٌ يَابِسٌ وَخَلٌّ. فَقَالَ: هَاتِي، أَيْ قَدِّمِيهِ إِلَيَّ، مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ. أي إذا كان البيت يوجد فيه خل، فليس خالياً من الإدام. وفي الحديث: حث على عدم النظر للخبز والخل بعين الاحتقار، وأيضاً لا بأس بطلب الطعام ممن لا يستحس سائل منه لصدق المحبة، والعلم بسرور المسؤول بذلك. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. الثريد هو الخبز يفت، ويوضع عليه الإدام من مرق اللحم ونحوه، فيصبح ليناً، وقد يكون معه لحم، وقد يكون خالياً منه. وفي الحديث: فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم على سائر النساء، وهذا التفضيل لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة حتى لا يدخل فيها مثل مريم وآسية وخديجة وفاطمة، جمعاً بين هذا الحديث وبين حديث أفضل نساء أهل الجنة، وإنما المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة، أو تفضيلها على نسائه صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بعد أن أكل من ثور أقط، أي قطعة من الأقط، والأقط هو اللبن الجامد المستحجر، وسميت القطعة منه بثور أقط لأنها ثارت عن باقيها. ووضوء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أكل من الأقط لأنه مما مسته النار، ثم رآه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. وفي هذا الجزء من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار، والجمع بينهما أن وجوب الوضوء مما مسته النار كان في أول الإسلام، ثم نسخ وبقي الاستحباب. وأراد أبو هريرة رضي الله عنه من هذا الحديث أن يبين أن الحكم السابق، وهو الوضوء مما مسته النار، قد نسخ في آخر حياته صلى الله عليه وسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها، وكانت من سبايا غزوة خيبر، أعتقها وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بتمر وسويق. والسويق هو ما يصنع من دقيق الحنطة والشعير. وجاء في الصحيح أنه أولم عليها بحيس، والحيس هو الطعام المتخذ من التمر والسمن ومعهما الأقط أو الدقيق، ويستفاد من الحديث استحباب وليمة العرس، وأنها تكون على قدر حال الزوج، وفيه أيضًا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عدم التكلف والبعد عن الإسراف. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم في منزلنا، فذبحنا له شاة، فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم. وقصد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك تطييب خاطرهم، وإدخال السرور عليهم، دون الشغف باللحم والإفراط في محبته. ولهذا الحديث قصة، وهي أن جابرًا رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستعينه في دين كان على أبي، قال: فقال: آتيكم. قال: فرجعت فقلت للمرأة: لا تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه. قال: فأتانا، فذبحنا له داجنًا كان لنا، فقال: يا جابر، كأنكم عرفتم حبنا لللحم. قال: فلما خرج قالت له المرأة: صلِّ عليَّ وعلى زوجي، أو صلِّ علينا. قال: فقال... اللهم صل عليهم. قال: فقلت لها: أليس قد نهيتك؟ قالت: ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل علينا ولا يدعو لنا. وعن جابر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ. في هذا الحديث يقول جابر رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وفي هذا الأسلوب بيان لكمال أدب الصحابة رضي الله عنهم في خطابهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيستعملون الألفاظ التي تشعر بأنهم أتباع له، وأنه صلى الله عليه وسلم المتبوع. وقوله: فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه. القناع هو الطبق الذي يؤكل عليه الرطب، ويصنع من خوص النخل، فقدمت له الشاة أولاً فأكل صلى الله عليه وسلم منها، ثم قدمت له الرطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى. ولا يلزم من ذلك أن يكون صلى الله عليه وسلم توضأ من أجل أكله من الشاة، وإنما توضأ للحدث أو تجديدًا للوضوء. وقوله ثم انصرف، أي بعد صلاة الظهر، فأتته بعلالة من علالة الشاة، والعلالة هي البقية من الشيء، أي فأتته ببقية من الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ. فهذا يبين أن وضوءه صلى الله عليه وسلم الأول لم يكن لأكله من الشاة، وإلا لتوضأ مرة أخرى لصلاة العصر. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل اللحم مرتين في يوم واحد، مرة قبل صلاة الظهر ومرة بعدها، وهذا لا يعارض قول عائشة رضي الله عنها: ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم؛ لأنه لا يلزم منه أنه صلى الله عليه وسلم أكل حتى شبع، وإنما أكل قبل الظهر منه يسيرًا، فلما صلى قُدِّم له مرة أخرى فأكل منه أيضًا شيئًا يسيرًا. وعن أم المنذر رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، ولنا دوالي معلقة. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي. مه يا علي، فإنك ناقه. قالت: فجلس علي، والنبي صلى الله عليه وسلم يأكل. قالت: فجعلت لهم سلقًا وشعيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: من هذا فأصب، فإن هذا أوفق لك. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم المنذر، وهي إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم، وكان معه علي رضي الله عنه. وقولها: ولنا دوال معلقة. الدوال جمع دالية، وهو قنو الرطب والبلح. كانوا يعلقون البسر ثم يأكلون ما أرطب منه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم وعلي معه يأكلان من الرطب، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: مه يا علي، أي توقف عن الأكل، فإنك ناقه، أي فإنك حديث عهد بشفاء من مرض، والناقه هو الذي برئ من المرض حديثًا ولم تعتدل بعد صحته. قالت: فجعلت لهم سلقًا وشعيرًا. السلق نبات يشبه الجرجير، يؤكل مطبوخًا، فطبخت الشعير مع السلق وقدمته لهم، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: من هذا فأصب، فإنه أوفق لك، أي كل من هذا الطعام فهو أنفع لك. وقد ذكر أهل العلم أن الشعير إذا طبخ بالسلق فإنه نافع جداً للمريض، ولا سيما في فترة النقاهة وبدء اعتدال الصحة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول: أعندك غداء؟ فأقول: لا. فيقول: إني صائم. قالت: فأتاني يوماً فقلت: يا رسول الله، إنه أُهديت لنا هدية. قال: وما هي؟ قلت: حيس. قال: أما إني أصبحت صائماً. قالت: ثم أكل. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يسأل عائشة رضي الله عنها فيقول: أعندك غداء؟ والغداء هو ما يؤكل في أول النهار، فإذا قالت: لا، قال: إني صائم، أي يعقد نية الصيام من ذلك الوقت. وجاءها ذات مرة فقالت له: يا رسول الله، إنه أُهديت لنا هدية. فسأل: ما هي؟ فقالت: حيس. والحيس هو التمر مع السمن والأقط، أو مع السمن والدقيق. فقال صلى الله عليه وسلم: أما إني أصبحت صائماً. قالت: ثم أكل. ويستفاد من هذا الحديث أن صيام النفل لا يشترط فيه تبييت النية من الليل. فَإِذَا أَصْبَحَ الْإِنْسَانُ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَنْ يَصُومَ، فَلَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ. وَأَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ نَوَى صِيَامًا، ثُمَّ وَجَدَ طَعَامًا بَعْدَ مَجِيئِهِ إِلَى الْبَيْتِ فَأَفْطَرَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ نَهَارِهِ، فَهُوَ أَمِيرُ نَفْسِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَعْنِي مَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ، وَالثُّفْلُ فَسَّرَهُ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ مَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، أَيْ مَا بَقِيَ فِي قَعْرِ الْقِدْرِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ يَتَمَيَّزُ بِكَوْنِهِ أَكْثَرَ نُضْجًا وَأَحْسَنَ طَعْمًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْقَلِيلِ، وَتَلَمُّسِ الْبَرَكَةِ فِي بَقِيَّةِ الطَّعَامِ. وَفِي خِتَامِ هَذَا الْبَابِ يَحْسُنُ الذِّكْرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ حَبْسُ نَفْسِهِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ غَالِبًا بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ الْأَطْعِمَةِ. لذلك كان يأكل ما تيسر له من لحم وفاكهة وتمر وغير ذلك. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.