الحلقة (18) باب ما جاء في قَدَح رسول الله ﷺ وفاكهته وشرابه

الشمائل المحمدية · المقطع 18 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. القدح هو إناء يُشرب فيه، والمراد الوعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب فيه الماء ونحوه، وهو عادة متوسط الحجم لا بالصغير ولا بالكبير، وكان له صلى الله عليه وسلم أكثر من قدح، والجمع أقداح، ولا يقال قدح إلا إذا كان فارغًا. عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظًا مضببًا بحديد، فقال: يا ثابت، هذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذا الحديث وصف قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مصنوع من الخشب الغليظ، وقوله مضبب بحديد، الضبة هي الحديدة العريضة التي تجمع الخشب إذا انصدع أو انكسر، وتلم بعضه إلى بعض ليتماسك ويلتئم، فلا يحصل فيه فجوات يتسرب منها الماء. وفي الحديث إشارة إلى كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم وترك التكلف. وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل واللبن. في هذا الحديث يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح واحد أنواع الأشربة التي كان يشربها صلى الله عليه وسلم من الماء والنبيذ والعسل واللبن. وفي هذا بيان زهده صلى الله عليه وسلم واقتصاره على ما يكفي. والنبيذ هو ماء يوضع فيه الرطب أو العنب أو نحوهما في الليل، فيتحلل في الماء إلى الصباح، فيصبح طعم الماء حلواً فيه مذاق الرطب أو العنب. وكان ينبذ للنبي صلى الله عليه وسلم أول الليل ويشرب منه إذا أصبح، ولم يكن يشربه بعد ثلاثة أيام خوفاً من تغيره إلى الإسكار. وفي زماننا هذا قد يسر الله لنا الخلاطات أو العصارات فتؤدي نفس الغرض بكل يسر وسرعة، والحمد لله. فائدة: قال ابن القيم رحمه الله: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح يسمى الريان، ويسمى مغنياً. وَقَدَحٌ آخرُ مُضَبَّبٌ بسلسلةٍ من فضة، وكان له قدحٌ من قوارير، وقدحٌ من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه بالليل. باب ما جاء في فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي بيان الأحاديث الواردة في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم، والفاكهة هي ما يتفكه به الإنسان، أي يتنعم ويتلذذ بأكله، كالرطب والزبيب والتين والرمان ونحوه. عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرطب. في هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الطعامين معًا، وهذا يدل على الجواز، وفيه فوائد عديدة. قال القرطبي رحمه الله: فيه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه الأليق بها على قاعدة الطب؛ لأن في الرطب حرارة، وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معًا اعتدلا. وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية، ومن فوائده أيضًا تعديل المزاج وتسمين البدن، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب، والقثاء يشبه الخيار، لكنه أكبر منه حجمًا، وكان يأكل الرطب بالبطيخ، ويأكله بالخربز، وحكمة الجمع بينهما أن الرطب فيه حرارة، فهو يكسر حرارته ببرودة البطيخ، وبرودة الخربز، وبرودة القثاء، فيحصل اعتدال بأكلهما معًا. وجاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب، فيقول: نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا وفي مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه. قال. ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر. في هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفرحون بأول الثمر فرحًا شديدًا؛ لأنهم لا يجدون الرطب إلا في وقت الصرام، ثم بعد ذلك يكون تمرًا، ولا يجدون الرطب إلا العام المقبل، بخلاف زماننا هذا، حيث حفظ الله للناس الرطب بتيسير الثلاجات، فيجدونه طوال العام. فكانوا أول ما يرون باكورة البلح يأتون به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك رغبةً في دعائه للثمر حتى يبارك الله فيه، وتخصيصه صلى الله عليه وسلم بأول ما ينضج من الفاكهة هديةً وتعظيمًا له ومحبةً. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ ذلك الثمر يدعو ويقول: اللهم بارك لنا في ثمارنا. وفي رواية عند ابن السني: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بباكورة الثمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه، وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره. وفي هذا الحديث يقول: اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا، والبركة بتكثير الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة. وقوله: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. لم يقل وخليلك، مع أنه خليل الله، كما جاء في أحاديث أخرى. وهذا منه صلى الله عليه وسلم رعاية للأدب في ترك المساواة بينه وبين آبائه الكرام، والخلة هي كمال المحبة ونهايتها. وفي هذا نوع من أنواع التوسل المشروع، وهو التوسل إلى الله تعالى بالعبودية والذل والافتقار له جل جلاله. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة، وزيادة عليه بالضعف. والمراد به الدعاء بحصول البركة الدينية والدنيوية، وقد استجاب الله تبارك وتعالى لنبيه هذا الدعاء، فأصبحت المدينة وثمرها أعظم بركة من غيرها، كما هو مشاهد، وأصبح المد والصاع فيها يكفي ما لا يكفي في غيرها، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء. وقوله: ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان، أي إنه من كمال لطفه ورفقه ورحمته صلى الله عليه وسلم أنه يختار أصغر وليد من الموجودين، فيقدم له هذا الرطب؛ لأن نفس الصغير تتعلق به أكثر، فمقتضى الرحمة والمؤانسة له أن يقدم له مثل هذا؛ لأن فرحه به أشد. باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي بيان الأحاديث الواردة في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشراب ما يُشرب من السوائل كالماء وغيره. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد. في هذا الحديث بيان حب النبي صلى الله عليه وسلم للشراب الذي يجمع أمرين: الحلاوة والبرودة، فقولها الحلو يشمل الماء العذب، فكان صلى الله عليه وسلم يُستعذب له الماء، ويشمل كذلك الماء الذي وُضع فيه ما يحليه أو يزيد حلاوته مثل النبيذ، ويشمل أيضًا الماء الذي يُحرك بقليل من العسل فيصبح طعمه حلوًا بحلاوة العسل، وقولها البارد أي البارد المعتدل، فالماء الذي جمع بين الحلاوة والبرودة من أنفع ما يكون للبدن وأطيبه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه وخالد عن شماله. فقال لي: الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدًا. فقلت: ما كنت لؤثر على سؤرك أحدًا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه. ومن سقاه الله عز وجل لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن. في هذا الحديث أن عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد رضي الله عنهما دخلا مع النبي صلى الله عليه وسلم على ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أيضًا خالتهما، وهذا يوضح سبب دخولهما عليها، فقدمت لهم إناءً من لبن، والمراد باللبن الحليب الطبيعي الذي يُحلب من ضروع المواشي، وأما اللبن المعروف اليوم بالرائب فهذا يُصنع من الحليب بطريقة خاصة، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عن يمينه عبد الله بن عباس، وعن يساره خالد بن الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: الشربة لك؛ لأنه على اليمين، وقوله: فإن شئت آثرت بها خالدًا. أي فضلته وقدمته على نفسك في الشرب، وفيه أن الأيمن في الشراب ونحوه يقدم وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، إلا أن ابن عباس قال: ما كنت لؤثر على سؤرك أحدًا، والسؤر هو الفضل وما بقي من الأثر، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، أي اللهم اجعل هذا الطعام الذي طعمناه مباركًا، والبركة تتناول أمورًا كثيرة، منها انتفاع البدن بالطعام، وسلامته من الأضرار التي تترتب أحيانًا على بعض الأطعمة، وقوله: وأطعمنا خيرًا منه، أي يسر لنا طعامًا آخر خيرًا من هذا وأفضل منه، وقوله: ومن سقاه الله عز وجل لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، أي اللهم بارك لنا في هذا اللبن الذي شربناه وزدنا منه، ولم يقل كما تقدم في الطعام: وأطعمنا خيرًا منه، والحكمة في ذلك هي ما أشار إليها صلى الله عليه وسلم بقوله: ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن، لأن اللبن يعتبر شرابًا يروي العطشان، وطعامًا يشبع الجوعان، فهو جمع بين هاتين الخاصيتين. وَهُوَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ خَالِصٌ سَائِغٌ لِلشَّارِبِينَ، مُلَيِّنٌ مُرَطِّبٌ. لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.