الحلقة (19) باب ما جاء في صفة شرب رسول الله ﷺ وتَعَطُّره

الشمائل المحمدية · المقطع 19 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في صفة شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم، وهو على خلاف المعتاد من فعله، وهذا كان موضع حاجة للشرب قائمًا. قال ابن القيم رحمه الله: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الشرب قاعدًا، هذا كان هديه المعتاد، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائمًا، وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائمًا أن يستقي، وصح عنه أنه شرب قائمًا. فقال الطائفة: هذا ناسخ للنهي، وقال الطائفة: بل مبين أن النهي ليس للتحريم بل للإرشاد وترك الأولى، وقال الطائفة: لا تعارض بينهما أصلًا، فإنه إنما شرب قائمًا للحاجة. فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهَا، فَاسْتَقَى فَنَاوَلُوهُ الدَّلْوَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَهَذَا كَانَ مَوْضِعَ حَاجَةٍ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا. فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُخْبِرُ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ قَائِمًا، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَرَآهُ يَشْرَبُ قَاعِدًا، وَهَذَا فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّرْبِ. وَعَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ، هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ، وَالرَّحْبَةُ هِيَ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: زِيَادَةُ وَرِجْلَيْهِ. ثم شرب وهو قائم، هذا موضع الشاهد من الحديث. وفي رواية أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتى على باب الرحبة فشرب قائماً، فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت. وهذا يدل على أن الشرب قائماً جائز، وأن النهي فيه محمول على كراهة التنزيه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثاً إذا شرب، ويقول: هو أمرأ وأروأ. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته ألا يشرب دفعة واحدة، وإنما يشرب على ثلاث دفعات، فيشرب ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود فيشرب، ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود فيشرب الثالثة. وعلل ذلك بقوله: هو أمرأ، أي أسوغ وأكثر انسياباً وهضماً، وأروأ، أي أكثر رياً وأقمع للعطش. وفي رواية: زيادة وأبرأ، أي أكثر برءاً وصحة، وأسلم من الأذى الذي يحصل بسبب الشرب دفعة واحدة. ومن ذلك الأذى أنه يخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه فيغص به. وقد ورد في بعض الأحاديث النهي عن التنفس في الإناء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه، ولا تعارض في ذلك؛ لأن الأحاديث وردت على حالتين مختلفتين: الأولى: التنفس داخل الإناء، وهذا منهي عنه. الثانية: التنفس خارج الإناء، وهذا الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم. عن كبشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم، وقربة معلقة، فشرب من فم القربة وهو قائم، فقامت أم سليم إلى رأس القربة فقطعتها. في الحديث الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على كبشة بنت ثابت الأنصارية، وهي أخت حسان بن ثابت رضي الله عنهما، فشرب من في قربة معلقة، والقربة هي وعاء لحفظ الماء تصنع من الجلد المدبوغ، وقولها: قائماً. أي أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائماً، وواضح أنه فعل ذلك لحاجة؛ لأنه شرب من في قربة معلقة، وقولها: فقمت إلى فيها فقطعته، أي أنها قامت إلى فم القربة التي شرب منها النبي صلى الله عليه وسلم، ولمسه فمه، فقطعته لتحتفظ به، وكانوا يتبركون بريقه صلى الله عليه وسلم وبآثاره. ونظير هذا الحديث الثاني، إلا أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك عند أم سليم رضي الله عنها. ويفهم من هذين الحديثين جواز الشرب من فم القربة، إلا أنه وردت أحاديث في النهي عن الشرب من فم السقاء، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم القربة أو السقاء. وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية، أن يُشرب من أفواهها. وعلة النهي، قال النووي رحمه الله: سببه أنه لا يؤمن أن يكون في السقاء ما يؤذيه، فيدخل في جوفه ولا يدري، وقيل: لأنه يقذره على غيره، وقيل: إنه ينتنه، أو لأنه مستقذر. إذن فالأصل في الشرب من فم السقاء النهي، نهي تنزيه لا تحريم. أما إذا كان لعذر، كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناءً متيسراً، ولم يتمكن من تناوله بكفه، فلا كراهة حينئذ. وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة، ولا ينطبق هذا الحكم على الشرب من العلب المعدنية والزجاجية الصغيرة التي تباع فيها العصائر والمشروبات المختلفة لانتفاء العلة فيها. باب ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي بيان الأحاديث الواردة في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعطر هو استعمال العطر، وهو الطيب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب، بالرغم من طيب رائحة بدنه صلى الله عليه وسلم، ولو لم يمس طيبًا. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له سكة يتطيب منها، والسكة هي وعاء يُحفظ فيه الطيب. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه لا يرد الطيب، وقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب. في هذا الحديث أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان لا يرد الطيب. وكان يفعل هذا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان لا يرد الطيب؛ لأنه خفيف المحمل، طيب الرائحة، ومثل هذا لا يرد. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ثلاثة لا ترد، أي إذا أهديت للإنسان لا ينبغي له أن يردها، وهي الوسائد، والوسائد جمع وسادة، وهي المخدة، إذا قُدمت ليتكئ عليها فلا يردها، والدهن، والمراد به الطيب، واللبن، وقد سبق ما يتعلق بفضل اللبن على غيره من الأطعمة. وتخصيص هذه الثلاثة بعدم الرد لخفتها وعدم كلفتها، وقلة المنة فيها، ولأن هذه الأشياء غالبًا ما تقدم للضيف فلا ينبغي أن يردها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. في هذا الحديث إرشاد إلى أن الطيب مستحب للرجال كما هو مستحب للنساء. لكن يُستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه وخفي لونه، وأما المرأة فإذا أرادت الخروج إلى المسجد أو غيره كره لها كل طيب له ريح. وقوله: طيب الرجال، أي اللائق بهم، المناسب لشهامتهم، والمأذون فيه لهم، ما ظهر ريحه وخفي لونه، أي فيه رائحة ظاهرة وليس فيه لون، كالمسك والعنبر والعود. وقوله: وطيب النساء، أي ما يليق بهن، ما ظهر لونه وخفي ريحه، كمساحيق الزينة. والمراد إذا أرادت أن تخرج من بيتها، أما إذا كانت عند زوجها فلتتطيب بما شاءت. وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في طيب النساء إذا خرجن من بيوتهن، فقال: أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية. وعن أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أُعطي أحدكم الريحان فلا يرده، فإنه خرج من الجنة. هذا الحديث ضعيف، لكن يعضده ما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عُرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح. أي حمله لا يكلف الإنسان ولا يشق عليه، وهو في الوقت نفسه له رائحة طيبة زكية، والريحان هو كل نبت مشموم طيب الريح. وقوله: فإنه خرج من الجنة، المعنى أن أصله خرج من الجنة. قال النووي رحمه الله: في هذا الحديث كراهة رد الريحان لمن عرض عليه إلا لعذر، يعني إذا كان عند الإنسان عذر كمرض لا يتحمل معه رائحة الطيب، أو كان الطيب له رائحة قوية لا يتحملها الإنسان، فله أن يعتذر بالكلمة الطيبة ولا يلزمه قبوله. فائدة: جاء في مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم تفضيل المسك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيب الطيب المسك. وقال ابن القيم رحمه الله: كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يزال عنده، وريحه هو من أطيب الرائحة، وعرقه من أطيب الطيب. وقال أيضًا: وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه. وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما يناسبها. وقال العلماء: يستحب للمسلم أن يكون دائماً برائحة طيبة، وأن يحرص على إزالة ما قد يعلق بجسمه من رائحة كريهة، أو بفمه من رائحة الدخان وغير ذلك. ويتأكد مس الطيب للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وحضور المحافل، وقراءة القرآن، ومجالس العلم، وحلق الذكر. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.