الحلقة (26) باب ما جاء في عبادة رسول الله ﷺ -2

الشمائل المحمدية · المقطع 26 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، قال: فلما دخل في الصلاة قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: لربي الحمد، لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه، فكان بين السجدتين نحوًا من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي. حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، شعبة الذي شك في المائدة والأنعام. في هذا الحديث أن حذيفة رضي الله عنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، ولعل ذلك كان في شهر رمضان حسب الرواية في مسند أحمد. وقوله: فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، أي أراد الدخول فيها، قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. هذه كلها أوصاف تعظيم لله سبحانه وتعالى، فهو صاحب الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، فالملكوت من الملك، والجبروت من الجبر، فهو سبحانه وتعالى الملك الجبار. وقوله: ثم قرأ البقرة، أي كاملة، ثم ركع، فكان ركوعه نحواً من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم. هذا فيه طول ركوعه صلى الله عليه وسلم، وكان يكرر سبحان ربي العظيم تعظيماً للرب جل جلاله، لأن الركوع محل تعظيم الله. وقوله: ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحواً من ركوعه، يعني أن الاعتدال الذي بعد الركوع يقف فيه طويلاً نحواً من الركوع. وكان يقول: لربي الحمد، لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحواً من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، أي يكرر ذلك في سجوده الطويل، ثم رفع رأسه، فكان ما بين السجدتين نحواً من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، أي قرأ هذه السور في أربع ركعات. وقوله: شعبة الذي شك في المائدة والأنعام، أي شك أي السورتين ذُكرت في الحديث. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية واحدة من القرآن ليلة كاملة. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وهذا يدل على مشروعية تكرار الآية الواحدة أو السورة الواحدة في الركعة الواحدة أو في الليلة الواحدة. قال ابن القيم رحمه الله: فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: صليت ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي صلى الله عليه وسلم. في هذا الحديث بيان لطول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وأنه لا بأس بصلاة الجماعة في النوافل أحيانا، وفيه أيضا أن مخالفة الإمام تعد من الأمور السيئة، ولهذا قال رضي الله عنه: هممت بأمر سوء، فلما قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يحتمل عدة معان، منها أنه يجلس ويكمل صلاته جالسا، ويدع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قائما. أو أن يترك الصلاة ويدع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وحده، أو أن ينوي قطع القدوة ويتم صلاته منفردًا، ويترك النبي صلى الله عليه وسلم يكمل وحده. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسًا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسًا، وهذا إنما كان في آخر حياته بعد ما أسن، كما قالت عائشة رضي الله عنها: أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم صلى جالسًا لتعب أو مرض أو كبر أو نحو ذلك. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه، فقالت: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا. وليلًا طويلًا قاعدًا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس. في هذا الحديث تصف عائشة رضي الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، فتقول: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، بمعنى أنه إذا افتتح القراءة وهو قائم يركع من القيام ويسجد من القيام، وأحيانًا يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا، أي أنه إذا افتتح القراءة وهو جالس فإنه يركع ويسجد وهو جالس. وقد يُشكل على هذا الحديث حديث عائشة السابق الذي فيه: وكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع. قال ابن حجر رحمه الله: وهذا محمول على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعًا بين الحديثين. وصلاة الرجل القاعد أجرها على النصف من صلاة القائم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مستثنى من ذلك، فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائمًا، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال. حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة. قال: فأتيته فوجدته يصلي جالسا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدا. قال: أجل، ولكنني لست كأحد منكم. فعد هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. وعن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته قاعدا، ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. في هذا الحديث تقول حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في سبحته قاعدا، والمراد بالسبحة هنا النافلة، فالنافلة تسمى سبحة لما فيها من التسبيح، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نافلته قاعدا، وذلك في آخر حياته لما ثقل. وقولها: ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، أي يرتل السورة بتمهل وتدبر. حتى تصير السورة القصيرة المرددة أطول من السورة الطويلة إذا قرئت بلا ترتيل. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته وهو جالس، وذلك عند قرب وفاته؛ لأنه كبر وثقل، وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يحب المداومة على العمل، أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته. فيما مضى من الأحاديث من هذا الباب كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، وفي الأحاديث القادمة بيان للسنن الرواتب، وقوله: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعية المقصودة في هذا الحديث أي مجرد الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فصلى ابن عمر ركعتين وحده كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين. وسيأتي عن ابن عمر أيضًا ذكر ركعتين قبل الفجر، فهذه عشر ركعات تسمى السنن الرواتب. وسيأتي من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعًا، فمن أهل العلم من حمل ذلك على حالين، فمرة يصلي أربعًا كما روت عائشة، ومرة يصلي ثنتين كما روى ابن عمر رضي الله عنهما. وفي الحديث فضيلة صلاة السنة في البيت. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حدثتني حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين حين يطلع الفجر وينادي المنادي، قال أيوب: وأوراه قال خفيفتين. في هذا الحديث ذكر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، وهي تتمة العشر الركعات، فابن عمر رضي الله عنهما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ثمان ركعات، وأخبرته أخته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم براتبة الفجر؛ لأنه كان يصليها في بيته، فأصبحت عشرة، وهاتان الركعتان يصليهما المسلم بعد طلوع الفجر وبعد نداء المنادي للصلاة، والسنة فيهما أن تُصلى خفيفتين فلا يطال فيهما، والسنة فيهما أيضًا أن يقرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بقل هو الله أحد. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. قال ابن عمر: وحدثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النبي صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين. وعن عاصم بن ضمرة قال: سألنا عليا رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهار، فقال: إنكم لا تطيقون ذلك. قال: فقلنا: من أطاق ذلك منا صلى. فقال: كان إذا كانت الشمس من هاهنا، كهيئتها من هاهنا عند العصر، صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا، كهيئتها من هاهنا عند الظهر، صلى أربعا، ويصلي قبل الظهر أربعا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. في هذا الحديث أن بعض التابعين سألوا عليا رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهار، وهذا السؤال منهم للتأسي لا لمجرد العلم، ولذلك قال لهم: إنكم لا تطيقون ذلك، أي لا تستطيعون المداومة والمواظبة على ذلك. فقالوا: من أطاق ذلك منا صلى، أي أننا نرغب في معرفة ذلك، فمن أطاق ذلك منا صلى وفاز بأجرها وثوابها. فقال لهم علي رضي الله عنه: كان إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق، كهيئتها من هاهنا عند العصر، يعني من جهة المغرب عند العصر، أي إذا كانت هيئة الشمس وهي في المشرق كهيئتها لما تكون في جهة المغرب وقت العصر، صلى ركعتين. وقوله: وإذا كانت الشمس من هاهنا، أي من الشرق، كهيئتها من هاهنا عند الظهر، أي قبل الزوال، صلى أربعا، وهذا كله في صلاة الضحى. وقوله: يصلي قبل الظهر أربعا، أي يصلي بعد أذان الظهر أربع ركعات، وهذه راتبة الظهر. وقوله: وبعدها ركعتين، وهذه راتبة الظهر البعدية. وقبل العصر أربعا، أي يصلي قبل العصر أربع ركعات، وهذه ليست من السنن الرواتب. وقد ورد فيها فضل عظيم، فقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا. وقوله: يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. يحتمل أن المراد بذلك ما جاء في التشهد، ويحتمل أن المراد به التسليم، أي أنه يسلم عن يمينه وعن شماله، وهذا هو الأوضح والأقرب. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.