الحلقة (29) باب ما جاء في قراءة رسول الله ﷺ
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي في كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وتلاوته ترتيلًا ومدًّا ووقفًا وإسرارًا وإعلانًا. عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي تنعت قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا. في هذا الحديث سُئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصفت قراءته صلى الله عليه وسلم بأنها قراءة مفسرة، وتوصف القراءة بأنها مفسرة إذا كانت عن تأنٍّ وترسل ووقوف في المواضع المناسبة للوقف، وسميت مفسرة لأنها تعين القارئ والسامع على الفهم والتدبر، وهو المقصد الأعظم من إنزال القرآن الكريم، وقولها حرفًا حرفًا. هذا توضيحٌ لقولها مفسَّرة، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يترسل في إخراج الحروف والكلمات، فتكون واضحةً بيِّنةً فتُفهم. وعن قتادة قال: قلتُ لأنس بن مالك: كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: مدًّا. في هذا الحديث سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي على أي وصف كانت، فقال رضي الله عنه: كانت قراءته مدًّا، أي ذات مدّ، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يمد ما يحتاج إلى مد، وهذا تفسير لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض صفاتها، فقراءته صلى الله عليه وسلم لها أوصاف عديدة، اكتفى أنس رضي الله عنه في هذا الحديث بذكر المد فيها. وفي رواية للبخاري عن قتادة أنه سأل أنسًا رضي الله عنه: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. فهذا الحديث فيه بيان كيفية المد المذكور في الحديث. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، ثم يقول: الرحمن الرحيم، ثم يقف، وكان يقرأ ملك يوم الدين. في هذا الحديث تصف أم سلمة رضي الله عنها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته من التقطيع، وهو جعل الشيء قطعة قطعة، أي يجزئها، فيقف على رأس كل آية. لذلك قالت: يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، ثم يقول: الرحمن الرحيم، ثم يقف، وكان يقرأ ملك يوم الدين. والوقوف عند كل آية من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقف على رؤوس الآي. وعن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، قد كان ربما أسر وربما جهر. فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. في هذا الحديث سأل عبد الله بن أبي قيس أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. أي في تهجده في الليل، هل كان يسر بالقراءة أم يجهر؟ فقالت رضي الله عنها: كل ذلك قد كان يفعل. ثم وضحت ذلك بقولها: قد كان ربما أسر، وربما جهر. أي أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان في قراءته في التهجد فمرة يجهر بها، فيرفع صوته بقدر يسمعه من كان قريبًا منه، ولا يرفعه عاليًا جدًا، ويسر بها أخرى، فلا يسمعها أحد ولو كان قريبًا منه. فقال عبد الله بن أبي قيس: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أي جعل الأمر لنا واسعًا، إن شئنا جهرنا بالقراءة، وإن شئنا أسررنا بها، فكلا الأمرين سائغ مشروع، والأولى أن يفعل الإنسان في كل مرة الأقرب لخشوعه. وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل وأنا على عريشي. في هذا الحديث تقول أم هانئ رضي الله عنها إنها كانت تسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وهي على عريشها، والعريش هو السرير الذي تنام عليه. وجاء في رواية الإمام أحمد ما يدل على أن ذلك الاستماع كان بمكة قبل الهجرة. قالت رضي الله عنها. أنا أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في جوف الليل وأنا على عريشي هذا وهو عند الكعبة، وهذا يدل على مشروعية الجهر بالقراءة أحيانًا؛ لأن ذلك أدعى للخشوع والتدبر، ولأن نفع الجهر يتعدى للغير ممن يستمع القرآن، سواء من صالح الإنس أو الجن، ولكن إذا تأذى بالجهر غيره من نائم أو مصلٍّ فإنه لا يشرع، بل ينهى عنه. وعن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قال: فقرأ ورجع. قال معاوية بن قرة: لولا أن يجتمع الناس عليَّ لأخذت لكم في ذلك الصوت أو قال: اللحن. في هذا الحديث يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يوم الفتح. المراد بالفتح هنا صلح الحديبية، وقوله وهو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ صدر سورة الفتح، وقوله: فقرأ ورجع، الترجيع هو ترديد الصوت، والمراد به هنا تحسين الصوت بالقراءة. وقوله: ولولا أن يجتمع الناس علي لأخذت لكم في ذلك الصوت، أو قال: اللحن. هذا يوضح أن المراد بالترجيع هنا تحسين الصوت بالقرآن، وفيه دليل على أن ارتكاب ما يوجب اجتماع الناس عليه اجتماعًا يؤدي إلى فتنة أو معصية أمر مذموم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ربما يسمعها من في الحجرة وهو في البيت. الحجرة أخص من البيت، وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما كان يصلي ليلًا في البيت، أي في صحن البيت، فيسمعه من في الحجرة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع صوته كثيرًا، ولا يسر بحيث لا يسمعه أحد. وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا، حيث يدل الحديث على أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بين الجهر والإخفات. وجاء في سنن أبي داود عن أبي قتادة. أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، قال: ومر بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا بكر، مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك. قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله. قال: وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك. قال: فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئًا. وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا. فائدة: اختلف العلماء هل الأفضل الترتيل مع قلة القراءة أو السرعة مع كثرتها؟ قال ابن القيم رحمه الله: والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة جدًا، والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددًا من العبيد قيمتهم رخيصة. وقال بعض العلماء. ينبغي للإنسان أن تكون له قراءتان: قراءة تدبر، وقراءة مسترسلة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم له حزب يقرؤه كل يوم قرابة خمسة أجزاء، وكان ربما قام في الليل بآية واحدة يكررها، والله أعلم. فائدة: ذكر الزهري أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت آيةً آيةً، هذا هو الأفضل، الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها. فائدة: في الترجيع قدر زائد على الترتيل، فعند أبي داود عن علقمة قال: بت مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه، لا يرفع صوته ويسمع من حوله، ويرتل ولا يرجع. وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. واللحن أيضًا يُعنى به تحسين التلاوة، وليس المقصود ألحان أهل الغناء، ولا التكلف في تحسين الصوت بالقرآن. قال القاري رحمه الله: ومن تأمل أحوال السلف علم أنهم بريئون من التصنع في القراءة بالألحان المخترعة دون التطريب والتحسين الطبيعي، فالحق أن ما كان منه طبيعةً وسجيةً كان محمودًا، وإن أعانته طبيعته على زيادة تحسين وتزيين لتأثر التالي والسامع به، وأما ما فيه تكلف وتصنع بتعلم أصوات الغناء وألحان مخصوصة فهذه هي التي كرهها السلف والأتقياء من الخلف. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.