الحلقة (30) باب ما جاء في بكاء رسول الله ﷺ

الشمائل المحمدية · المقطع 30 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. في هذا الحديث أن الصحابي الجليل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسمع بكاءه في الصلاة، وقوله: ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، أي ولصدره صوت كغليان القدر المتخذ من النحاس إذا كان على النار. وهذا البكاء بكاء خشية وشوق ومحبة لله تعالى. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي. فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا. قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَهْمِلَانِ. في هذا الحديث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن، وفي هذا فضل ظاهر لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال مستفهمًا: أَقْرَأُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي. يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَبَّ سَمَاعَ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ لِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْآنِ سُنَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَيْ يَتَدَبَّرَهُ وَيَفْهَمَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَمِعَ أَقْوَى عَلَى التَّدَبُّرِ وَأَنْشَطُ عَلَى التَّفَكُّرِ مِنَ الْقَارِئِ. فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. فَنَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا عَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ، أَيْ تَفِيضَانِ وَتَسِيلَانِ مِنَ الدُّمُوعِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ شَهِيدًا. وَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عَدْلِهِ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدٌ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بُكَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِلْقُرْآنِ، وَفِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى لَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَلَّا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ؟ رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَلَّا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ. فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا انْكَسَفَا فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. في هذا الحديث أن الشمس انكسفت يوماً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ذهب نورها كله أو بعضه، والشمس كسفت في حياته صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، وكان ذلك اليوم هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، وكان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر ينكسفان إما لموت عظيم أو لحياة عظيم، فلما كسفت الشمس خرج النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه فزعاً كأنما قامت الساعة، وأمر من ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد، فصلى بالناس صلاة الكسوف، وقوله: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى لم يكد يركع، أي من طول قيامه، ثم ركع فلم يكد يرفع رأسه، أي من طول الركوع، ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، أي من طول الاعتدال بعد الركوع، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، من طول السجود، ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، أي أطال الجلوس بين السجدتين، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، أي أطال سجدته الثانية، فجعل ينفخ ويبكي، أي تضرعاً إلى الله وخوفاً من العقوبة. ويقول: ربي ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم، ربي ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون، ونحن نستغفرك. يتأول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وقوله: فقام فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، أي خلافًا لما يعتقده المشركون في الجاهلية. وقوله: فإذا انكسفا فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، أي أكثروا من الصلاة والتسبيح والتهليل والاستغفار واللجوء إلى الله عز وجل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة له تقضي، فاحتضنها، فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه، وصاحت أم أيمن، فقال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أتبكين عند رسول الله؟ فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: إني لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ابنةً له تقضي، أي وهي تنازع الموت، وهذه الابنة هي ابنة ابنته زينب رضي الله عنها من زوجها أبي العاص بن الربيع، وكانت وفاتها في السنة التاسعة للهجرة. وقوله: فاحتضنها، أي ضمها صلى الله عليه وسلم إلى صدره رحمةً منه ورأفةً بها. وقوله: فوضعها بين يديه، أي في حجره أو أمامه، فماتت وهي بين يديه. وصاحت أم أيمن، أي رفعت صوتها بالبكاء، فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أتبكين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولم يقل لها: أتبكين عندي؟ لأن ذلك أبلغ في الزجر. فقالت أم أيمن ظنًّا منها بأن مطلق البكاء جائز: ألست أراك تبكي؟ أي ألست أبصرك وأشاهدك وأنت تبكي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي، أي لست أبكي بكاءً على سبيل الجزع وعدم الصبر، ولا يصدر عني ما نهى الله عنه من الدعاء بالويل والثبور والصياح ونحو ذلك، إنما هي رحمة، أي أن بكائي وهذه الدمعات هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فمجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ولا مكروه. بل هو رحمة وفضيلة، وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما. وقوله: إن المؤمن بكل خير على كل حال، أي أن المؤمن أمره كله خير على كل حال، فهو على خير في سرائه، وعلى خير في ضرائه، ففي الأول يفوز بثواب الشاكرين، وفي الثاني يفوز بثواب الصابرين. وقوله: إن نفسه تنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل، أي أنك تجد كثيرًا من الصالحين تنزع نفسه وهو يحمد الله عز وجل، فلم ينس حمد الله حتى في هذه اللحظة الشديدة، وتجده أيضًا يعاني أمراضًا مؤلمة، ولسانه رطب بذكر الله وحمده، رضًا بما قدر الله عليه، وتسليمًا لأمر الله تعالى. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي، أو قال: عيناه تهراقان. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وكان يبكي صلى الله عليه وسلم، أو قال: عيناه تهراقان، أي تذرفان وتسيل دموعهما. وفي الحديث دليل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز ما لم يصحب ذلك جزع أو عويل ونحو ذلك. وقد قبض أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي، وعثمان بن مظعون رضي الله عنه هو أحد السابقين الأولين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، وكان صواماً قواماً، قانتاً لله عز وجل. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: شهدنا ابنةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: أفيكم رجل لم يقارف الليلة؟ قال أبو طلحة: أنا. قال: انزل. فنزل في قبرها. في هذا الحديث يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: شهدنا ابنةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي شهدنا جنازتها والصلاة عليها ودفنها، وهذه الابنة هي أم كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنهما. وقوله: ورسول الله جالس على القبر، أي أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً بجانب القبر. وقوله: فرأيت عينيه تدمعان، أي تذرفان وتسيل دموعهما مع تمام الرضا بقضاء الله وقدره. وقوله: فقال: أفيكم رجل لم يقارف الليلة. أي لم يجامع أهله هذه الليلة، ولعل الحكمة في ذلك أن النزول في القبر لمعالجة أمر النساء لا يصلح لرجل قريب العهد بمخالطة النساء، لتكون نفسه مطمئنة ساكنة، كالناسية للشهوة. والمشروع أن ينزل في القبر رجل لم يجامع أهله في تلك الليلة، ولو لم يكن محرماً لتلك المرأة الميتة، لذا نزل في قبرها أبو طلحة، ومعلوم أنه ليس من محارمها، فدل على الجواز. فائدة: قال ابن القيم رحمه الله: وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف والخشية. للحديث بقية إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.