الحلقة (31) باب ما جاء في فراش رسول الله ﷺ وتواضعه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. الفراش هو ما يبسطه الإنسان تحته إذا أراد أن يجلس أو ينام، وكلما كان أكثر راحة للإنسان كان مدعاة لطول النوم وكثرة الخمول والكسل، بينما إذا كان على خلاف ذلك فإن الإنسان ينام عليه حاجته فقط. والنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له الفرش الوثيرة، وإنما كان له كساء من الصوف ينام عليه، وكان نومه صلى الله عليه وسلم نوم حاجة لإراحة البدن، يأوي إلى فراشه بقدر ما يحتاج جسمه من الراحة، ولا يزيد على ذلك؛ لأن له في الحياة مهمة عظيمة، فهو رسول رب العالمين وقدوة عباد الله أجمعين. عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف. في هذا الحديث تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان ينام عليه في بيتها بأنه من أدم، والأدم جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، وقولها حشوه ليف، أي محشوه وداخله من ليف النخل، وهو الذي يستخرج من جذوع النخل. قال النووي رحمه الله: فيه جواز اتخاذ الفرش والوسائد، والنوم عليها، والارتفاق بها، وجواز المحشو، وجواز اتخاذ ذلك من الجلود، وهي الأدم. وقال ابن القيم رحمه الله: كان صلى الله عليه وسلم ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة، والنطع هو البساط من الجلود، وينام على الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود. باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. التواضع هو لين الجانب، وخفض الجناح، وطيب المعاملة، والبعد عن التعالي على الناس والترفع عليهم، وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر في أخلاقه وفي تعاملاته مع الناس، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. الإطراء هو تجاوز الحد في المدح والثناء، والنصارى غلوا في ابن مريم عليه السلام، فمنهم من جعله إلها، ومنهم من جعله ابنًا للإله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقوله: إنما أنا عبد، أي أنا كامل العبودية لله تعالى، وليس لي حق في الربوبية ولا فيما يختص بالله تعالى. وقوله: فقولوا عبد الله ورسوله، أي قولوا قولًا ما لا شك فيه شرعًا مما أنا متصف به ولا تزيدوا عليه. وهذان الوصفان أصدق وصف وأشرفه في الرسول صلى الله عليه وسلم، فالعبد لا يُعبد، ولا يُعطى شيئًا من خصائص الرب مهما ارتفعت مكانته، والرسول حقه أن يُطاع وأن يُتبع، وأن يُسار على منهاجه، وأن يُقتفى أثره. فهذان الوصفان يبعدان العبد عن جانبي الغلو والجفاء، وتحقق له الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن لي إليك حاجة. فقال: اجلسي في أي طريق المدينة شئتِ أجلس إليك. في هذا الحديث أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: كان في عقلها شيء، أي من النقص، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، أي أنها أرادت أن تذكر له أمراً لا يطلع عليه غيره. فقال لها صلى الله عليه وسلم: اجلسي في أي طريق المدينة شئتِ، أي في أي جزء من أجزاء طريقها، أجلس إليك، أي معك حتى أقضي حاجتك. قال النووي رحمه الله: أي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، ولكن لا يسمعون كلامهما. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، وعليه إكاف من ليف. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود المريض، أي مريض كان، حراً أو عبداً، شريفاً أو وضيعاً. حتى لقد عاد غلامًا يهوديًا كان يخدمه، وعاد عمه وهو مشرك، وعيادة المريض فيها تسليته وإدخال السرور على قلبه، ودعوته إلى الله عز وجل. وكان صلى الله عليه وسلم يشهد الجنائز، أي يحضرها للصلاة عليها ودفنها، سواء كانت لشريف أو وضيع. وكان صلى الله عليه وسلم أيضًا يركب الحمار، وكان الحمار يعد في ذلك الوقت أقل وسائل النقل شأنًا، وركوبه صلى الله عليه وسلم الحمار من تواضعه. وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، أي إذا دعاه عبد رقيق إلى حاجة له أجابه، قرب محلها أو بعد، أو إذا دعاه العبد إلى بيته أجاب دعوته. وبمثل هذه الأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة كسب القلوب صلى الله عليه وسلم. وجاء في صحيح البخاري: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. وقوله: وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، أي أن الزمام الذي كان يقود به الحمار من ليف، والليف هو جزء من النخلة يجاور السعف. وقوله: وعليه إكاف من ليف، والإكاف هو البرذعة. وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْحِمَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ وَالرَّحْلِ لِلْبَعِيرِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالإِهَالَةِ السَّنِخَةِ فَيُجِيبُ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فَمَا وَجَدَ مَا يَفُكُّهَا حَتَّى مَاتَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى كَمَالِ تَوَاضُعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي دُعِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَقَلِّ الطَّعَامِ وَأَيْسَرِهِ فَإِنَّهُ يُجِيبُ، وَالإِهَالَةُ كُلُّ دُهْنٍ يُتَّخَذُ إِدَامًا، وَالسَّنِخَةُ الَّتِي حَصَلَ لَهَا شَيْءٌ مِنَ التَّغَيُّرِ فِي الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ بِسَبَبِ طُولِ الْمُكْثِ. وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فَمَا وَجَدَ مَا يَفُكُّهَا حَتَّى مَاتَ، أَيْ أَنَّ دِرْعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَالِ مَا يُخَلِّصُ بِهِ الدِّرْعَ حَتَّى مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ افْتَكَّهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حج في العام العاشر من الهجرة على رحل رث، والرحل هو الذي يوضع على ظهر البعير ليجلس عليه الراكب، والرث هو البالي والقديم، وقوله: وعليه قطيفة، أي كساء جعله فوق الرحل لا يساوي أربعة دراهم من رخصه، وفي هذا دليل على بلوغه كمال التواضع صلى الله عليه وسلم. وقوله: فقال: اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة، أي أنه دعا بهذه الدعوة العظيمة عندما أهل من الميقات، وفيها سؤال الله التوفيق للإخلاص والبعد عن الشرك والرياء والسمعة. ومما يؤثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: اللهم اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك. في هذا الحديث بيان مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب الصحابة رضي الله عنهم، فكان أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم والناس أجمعين. ومع ذلك كانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك، أي من كراهته القيام له، تواضعًا لربه، ومخالفةً لعادة المتكبرين والمتجبرين. وقد قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دُعيت عليه لأجبت. الكراع هو ما أسفل الركبة من ساق الشاة، قليل اللحم، فلو أن أحدًا أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم لقبله منه، ولو أن أحدًا دعاه إلى بيته وقدم له كراعًا لأجابه وقبل منه، وهذا من كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس براكب بغل ولا برذون. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى جابر رضي الله عنه يعوده عندما كان مريضًا، وقوله: ليس براكب بغل ولا برذون. أي أنه صلى الله عليه وسلم إذا أراد زيارة أحد لا يطلب أحسن مركوب، بل يذهب على ما تيسر، وإلا ذهب ماشيًا. والبغل هو ولد الفرس من الحمار، والبرذون هو التركي من الخيل. وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسف، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي. يوسف بن عبد الله بن سلام هو أبو يعقوب الإسرائيلي المدني، حليف الأنصار، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فجيء به إليه، فسماه يوسف على اسم نبي الله يوسف عليه السلام، لكونه إسرائيليًا، وأقعده في حجره، ومسح على رأسه، وهذا فيه ملاطفة ومؤانسة للصغير، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، حيث يلاطف الصغار ويجلسهم في حجره. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرب له ثريدًا عليه دباء، فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ الدباء، وكان يحب الدباء. قال ثابت: فسمعت أنسًا يقول: فما صنع لي طعام أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة الخياط، وأكل من طعامه، وهذا يدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم، فكان يجيب دعوة من دعاه أيًا كان، وقد مر معنا هذا الحديث في باب سابق. وعن عمرة قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقالت: كان بشرًا من البشر، أي أنه لم يميز نفسه عن البشر بشيء، ثم فصلت وقالت: كان يفلي ثوبه، أي يفتشه ليلتقط ما علق فيه من شوك ونحوه، ويحلب شاته، أي يباشر بيده الشريفة حلب الشاة، ويخدم نفسه، أي يقوم على خدمة نفسه، فإذا احتاج شيئًا قام وأتى به دون أن يأمر من عنده بإحضاره، وهذا كله من كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم. فائدة: قال القاضي عياض رحمه الله: وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم على علو منصبه ورفعة رتبه. فَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَعْدَمَهُمْ كِبْرًا، وَحَسْبُكَ أَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. وَكَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَعُودُ الْمَسَاكِينَ، وَيُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مُخْتَلِطًا بِهِمْ حَيْثُ مَنْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ. هَذَا وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَأُهْدِيَ فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مِائَةُ بَدَنَةٍ، وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، طَأْطَأَ عَلَى رَحْلِهِ رَأْسَهُ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ قَادِمَتَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ فِي بَيْتِهِ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ، وَيَقُمْ الْبَيْتَ أَيْ يَكْنُسُهُ، وَيَعْقِلُ الْبَعِيرَ، وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ، وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ، وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ. لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.