الحلقة (33) باب ما جاء في حياء رسول الله ﷺ وحجامته
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحياء خصلة عظيمة، وهو من شعب الإيمان، وهو خير كله، وهو خلق يبعث على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه. في هذا الحديث مثل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حياء النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشد من حياء العذراء في خدرها، والمراد منه إيضاح كمال حياء النبي صلى الله عليه وسلم، والعذراء هي البنت التي أشرفت على سن الزواج، وخدرها هو مكانها في ستر من جانب البيت، فهي من شدة الحياء لا تكاد تقدر على مقابلة النساء ومخاطبتهن، فضلًا عن الرجال. وهذه فطرة فيهم. وقوله: وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، هذا من كمال خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يحتاجون إلى زجر أو نهر، بل كانوا يرقبون وجهه صلى الله عليه وسلم، فإن رأوا فيه غضبًا علموا أنه رأى منكرًا، فيتنبه مرتكبه وينتهي عنه. باب ما جاء في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحجامة هي عملية استخراج الدم من الجسم بالمحجم. عن حميد قال: سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن كسب الحجام، فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله، فوضعوا عنه من خراجه، وقال: إن أفضل ما تداويتم به الحجامة، أو إن من أمثل ما تداويتم به الحجامة. في هذا الحديث سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن كسب الحجام من عمله، أهو طيب أم خبيث؟ فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا دليل على أن كسب الحجام مباح. إذ لو كان محرمًا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليعطيه. وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كسب الحجام خبيث، وهذا لا يدل على التحريم؛ لأنه لو كان محرمًا لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أجرةً عليها، وإنما كان كسب الحجام خبيثًا؛ لأن كسبه ليس من جميل الكسب وطيبه، فالثوم والبصل شجرتان خبيثتان، ولكن لا يدل ذلك على تحريم أكلهما. وقوله: حجمه أبو طيبة. أبو طيبة عبد لبني بياضة، اسمه نافع رضي الله عنه. وقوله: وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه؛ لأن أبا طيبة كان مملوكًا رقيقًا، وكان عليه خراج، والخراج هو مال يدفعه العبد لمالكه كل شهر أو كل أسبوع أو نحو ذلك، بعد أن يعمل في مهنة أو صنعة أو تجارة أو نحوها. فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أهله أن يخففوا عنه من الخراج الذي عليه، ففعلوا. وقوله: إن أفضل ما تداويتم به الحجامة، أو إن من أمثل دوائكم الحجامة. في هذا فضل التداوي بالحجامة وعظم نفعه مع زهد كثير من الناس فيه. وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وأمرني فأعطيت الحجام أجره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين وبين الكتفين، وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين، والأخدعان هما عِرقان في جانب العنق، واحتجم أيضًا بين الكتفين، أي في أعلى الظهر، وقوله: وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه، في هذا دلالة على إباحة المال الذي يأخذه الحجام لقاء عمله ومهنته في الحجامة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا حجامًا فحجمه، وسأله: كم خراجك؟ فقال: ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعًا وأعطاه أجره. هذا الحديث بمعنى ما سبق، ولعل المقصود بالحجام هنا هو أبو طيبة رضي الله عنه، وقوله: فوضع عنه صاعًا، أي شفع له عند مالكه أن يعفيه من صاع، فيكون عليه صاعان فقط. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين. مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين، وهما عرقان في جانب العنق، وبين الكتفين، وهو بمعنى الكاهل هنا، وهو موضع نافع للغاية في الحجامة. وقوله: وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، هذه الأوقات الثلاثة يزيد فيها الدم ويهيج، فتكون من أنفع أوقات الحجامة. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن أورد أحاديث الحجامة في السابعة عشر، والتاسعة عشر، والحادي والعشرين، قال: هذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء، أن الحجامة في النصف الثاني، وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره، وإذا استعملت، أي الحجامة، عند الحاجة إليها نفعت في أي وقت كان. وكان أحمد بن حنبل يحتجم في أي وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بملل على ظهر القدم. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بملل، وملل موضع بين مكة والمدينة، وقوله: على ظهر القدم، زاد الإمام أحمد في مسنده: لوجع كان به. والحجامة من أنفع ما يكون لتسكين الآلام، وظهر القدم من المواضع التي احتجم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وهي الرأس، والأخدعان، والكاهل، والورك، وظهر القدم. وفي هذا دليل على أن الحجامة لا تؤثر على المحرم إذا كانت مجرد سحب للدم، أما إذا كان لا بد فيه من إزالة الشعر، فله إزالته، ويلزمه فدية الأذى. فائدة: الحجامة ضرب من العلاج النافع، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وأعطى الحجام أجره، وأرشد إليها، وأخبر أن فيها شفاء، وتكون بشرط الجلد شرطًا يسيرًا بالموس ونحوه، ثم سحب الدم منه بالمحجم، وهي نوع من العلاج والتداوي، وقد جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشفاء في ثلاثة: في شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي. وهي نافعة جدًا ومفيدة للجسم، وفيها شفاء لأمراض عديدة، قد يوصف بعضها في مثل هذا الزمان بالأمراض المستعصية، لكن الله عز وجل جعل في الحجامة شفاءً من تلك الأمراض، وفي واقع الناس شواهد كثيرة جدًا تشهد لذلك. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ وَعَظَمَةِ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ الْمَأْثُورِ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّدَاوِي مَأْمُورٌ بِهِ، وَلَا يَتَنَافَى مَعَ التَّوَكُّلِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ. لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.