الحلقة (34) باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ وعيشه الجزء الأول

الشمائل المحمدية · المقطع 34 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي. في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن له أسماء عدة، منها محمد، وهذا اسمه صلى الله عليه وسلم الذي سماه به جده عبد المطلب بإلهام من الله تعالى، ليكون محمودًا في الدنيا والآخرة. ومعنى محمد: الذي له الصفات الفاضلة والمناقب الكريمة التي تُحمد. ومن أسمائه أحمد، فهو أحمد الناس لله، وأعظمهم ثناءً على الله عز وجل. ولهذا عندما يشفع صلى الله عليه وسلم للأولين والآخرين يوم القيامة، يعلمه الله من محامده وحسن الثناء عليه ما لا يكون لأحد غيره من العالمين. ومن أسمائه الماحي، وفسر ذلك بقوله: الذي يمحو الله به الكفر، أي بعثه الله تعالى ليمحو به الكفر ويطمس به الضلالة، ويفتح به أعينًا عميًا وقلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا. ومن أسمائه الحاشر، وفسره بقوله: الذي يحشر الناس على قدمي، أي أنه صلى الله عليه وسلم يتقدم الناس في الحشر، ويكون أول من ينشق عنه القبر، ثم الناس على إثره. ومن أسمائه العاقب، أي جعله الله سبحانه وتعالى خاتمًا للنبيين، فلا نبي بعده، فهو العاقب الذي جاء عقب النبيين كلهم. وقوله: والعاقب الذي ليس بعده نبي، قيل هذه الجملة من كلام الزهري، فتكون مدرجة في الحديث. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، وأنا المقفى، وأنا الحاشر، ونبي الملاحم. في هذا الحديث ذكرٌ لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم زيادةً على ما ذُكر في الحديث السابق، ومنها نبي الرحمة، أي أرسله الله تعالى ليكون رحمةً للعالمين، فالرحمة كلها في اتباعه صلى الله عليه وسلم، ومنها نبي التوبة، فبعث صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس إلى التوبة إلى الله تعالى والإنابة إليه، فكان صلى الله عليه وسلم إمام التوابين، ومنها المقفى أو المقفي، فهو إما اسم فاعل، فيكون معناه الذي قفى، أي اتبع أثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنه قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، وإما اسم مفعول، فيكون معناه الذي قُفّي به على آثار الأنبياء، أي جاء بعدهم، ومنه قوله تعالى: ثم قفينا على آثارهم برسلنا، والمؤدى في اللفظين واحد. ومن أسمائه نبي الملاحم، والملاحم جمع ملحمة، وهي الحرب، وسميت الحرب ملحمة لأن اللحوم والأجسام تتلاحم فيها وتتلاصق، ويصيبها ما يصيبها من ضربٍ وطعن. فائدة: هل للنبي صلى الله عليه وسلم أسماء أخرى؟ صنف العلماء في جمع أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مصنفات كثيرة. وقد اختلفوا في أسماء كثيرة، هل تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وكان من أهم أسباب الخلاف أن بعضهم عدَّ كل وصف وُصف به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم من أسمائه، فعدَّ من أسمائه مثلاً: الشاهد، والمبشر، والنذير، والداعي، والسراج المنير. وقد بالغ بعض من اهتم بذلك، فأوصل أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثمائة اسم، ومنهم من أوصلها إلى ألف اسم. والصحيح أن الذي له أصل في النصوص إما اسم، وهو القليل، أو وصف، وهو أكثر، وما سوى ذلك فلا أصل له، فلا يطلق على النبي صلى الله عليه وسلم حذراً من الإفراط والغلو. باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. في هذا الحديث يقول النعمان بن بشير رضي الله عنهما لمن حوله من التابعين: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ يعني وصلتم إلى حال من العيش بأن أي شيء ترغبونه وتشتهونه من الطعام والشراب تجدونه متيسراً لكم. ثم يردف ويقول: لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، والدقل هو التمر الرديء، أي أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجد من التمر الرديء ما يملأ بطنه، فكيف بجيده، فضلاً عن غيره من جيد الطعام. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كنا آل محمد نمكث شهراً ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء. في هذا الحديث تذكر عائشة رضي الله عنها أن أهل النبي صلى الله عليه وسلم ربما مكثوا شهراً لم يوقدوا فيه ناراً، يعني أنهم لم يكونوا يخبزوا ولا يطبخوا في هذه المدة شيئاً، وقولها: إن هو إلا التمر والماء، يعني أن طعامهم لم يكن إلا التمر والماء. وعن أبي طلحة رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين. في هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعوا عن بطونهم عن حجر حجر، أي كل واحد منهم ربط بطنه بحجر من أجل أن يسكن الجوع. والإنسان إذا اشتد به الجوع، فإنه يضغط بيده على بطنه، فيحس أن الجوع قد خف. فكان الصحابة رضي الله عنهم تطول بهم فترة الجوع أحيانًا، فلا يكفي عندئذ الضغط على البطن باليد، فكان الواحد منهم يأخذ حجرًا صغيرًا ويشد به على بطنه. وقوله: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين، أي من شدة الجوع. وهذا الحديث ضعيف، ولكن معناه صحيح، تشهد له أحاديث أخرى صحيحة. فمن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه أنه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر. فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم، وأنا قد وجدت بعض ذلك. فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه. فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء. فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلا تنقيت لنا من رطبه؟ فقال: يا رسول الله، إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد. فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذبحن لنا ذات در. فذبح لهم عناقاً أو جدياً. فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَائْتِنَا. فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْتَرْ مِنْهُمَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْتَرْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا. فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ حَقَّ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِأَنْ تُعْتِقَهُ. قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ تُبَيِّنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَبْتَلًى بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. فَقَدْ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا، وَهَذِهِ السَّاعَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَانَتْ مِنَ النَّهَارِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مُلَازِمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَازَمَةً تَامَّةً فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي أَنَّهُ يُرِيدُ مُلَاقَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ وَسَمَاعَ حَدِيثِهِ، وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتَّى جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، أَيْ مِنَ الْجُوعِ. فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَعِنْدَهُ حَائِطٌ مِنْ نَخْلٍ وَأَغْنَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ، فَلَمْ يَجِدُوهُ فِي بَيْتِهِ، فَسَأَلُوا عَنْهُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، أَيْ حَمَلَ قِرْبَةً وَذَهَبَ لِيَأْتِيَ لَنَا بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا، أَيْ يَحْمِلُهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَضَعَ الْقِرْبَةَ عَنْ عَاتِقِهِ. ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم، أي يضمه فرحًا بمجيئه إليه، ويفديه بأبيه وأمه، أي يقول له: أفديك بأبي وأمي يا رسول الله. ثم انطلق بهم إلى حديقته، أي بستانه، فبسط لهم بساطًا، أي وضع لهم فراشًا على الأرض يجلسون عليه. ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقنو فوضعه، يعني جاء بعذق كامل فيه الرطب والبلح، فوضعه أمام النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلا تنقيت لنا من رطبه؟ يعني ما كان هناك حاجة أن تقص القنو كاملًا من النخلة، لو انتقيت لنا بعض الرطب لكفى. فقال: يا رسول الله، إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره، يعني إذا كان القنو كاملًا بين يدي الإنسان ينتقي منه ما أحب، فهو أشهى وألذ مما لو انتقي له بعضه. فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه، وشربوا من ذلك الماء العذب الذي جاء به في القربة. فقال صلى الله عليه وسلم: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد. ثم قرأ: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم. فالنعيم هو كل شيء يتنعم به الإنسان ويتهنأ به في هذه الدنيا. ثم انطلق أبو الهيثم رضي الله عنه ليصنع لهم طعامًا، لأن الذي أكلوه من الرطب من باب الفاكهة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذبحن ذات در، يعني لا تذبح شاةً حلوبًا حتى تبقى ليستفاد من حليبها. فذبح لهم عناقًا أو جدية، والعناق هي الأنثى الصغيرة من الماعز، والجدي هو الذكر الصغير من الماعز. فآتاهم بالطعام بعد أن طبخه وأنضجه وهيأه، فأكلوا. فقال صلى الله عليه وسلم له: هل لك من خادم؟ هذا السؤال من أجل مكافأته على هذا الصنيع. فقال: لا. فقال صلى الله عليه وسلم: فإذا أتانا سبي فأتنا. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، أي أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجلين سبيًا من العدو ليس معهما ثالث. فأتاه أبو الهيثم على الموعد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهما. فقال: يا رسول الله، اختر لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المستشار مؤتمن، أي أن من استشاره أحد فقد ائتمنه أن يكون ناصحًا له. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي. وَفِي هَذَا عِظَمُ أَمْرِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْتَمَّ بِهِ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْخَاصِ، سَوَاءً فِي النِّكَاحِ أَوِ الْوَظَائِفِ أَوْ غَيْرِهَا. ثُمَّ أَوْصَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مَعْرُوفًا، فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصِيَّتِهِ بِهَذَا الْخَادِمِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ حَقَّ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِأَنْ تُعْتِقَهُ. فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَا تَرَدُّدٍ: فَهُوَ عَتِيقٌ. عِلْمًا بِأَنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ مَزْرَعَةٌ فِيهَا نَخْلٌ وَأَشْجَارٌ، وَتَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا مَاشِيَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى عِنَايَةٍ، وَهُوَ أَيْضًا فِي مُهِمَّةِ أَهْلِهِ يَسْتَعْذِبُ لَهُمُ الْمَاءَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَخْدِمُهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ هَذَا الْخَادِمُ أَعْتَقَهُ عَمَلًا بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا. الْبِطَانَةُ الْمَقْصُودُ بِهَا الْوَزِيرُ وَالْمُشِيرُ وَالنَّاصِحُ الْقَرِيبُ مِنَ الْإِنْسَانِ. فَإِذَا كَانَ عِندَ الْوَالِي بِطَانَةُ خَيْرٍ، فَهَذَا مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ بِطَانَةُ شَرٍّ فَلْيَحْذَرْ مِنْهَا، فَإِنَّهَا لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، أَيْ لَا تُبَالِي أَنْ تُوقِعَهُ فِي الشَّرِّ وَالْفَسَادِ. ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ. يَعْنِي إِذَا أَكْرَمَ اللَّهُ الْوَالِي بِأَنْ وَقَاهُ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ وَالْخَبَالَ وَالْفَسَادَ. لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.