الحلقة (39) باب ما جاء في رؤية رسول الله ﷺ في المنام

الشمائل المحمدية · المقطع 39 من 40

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. بأقلام الشوق ومداد الحب، نسطر حروفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. الشمائل المحمدية. باب ما جاء في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. ختم المصنف كتابه الشمائل بهذا الباب ليقرر الارتباط بين معرفة الشمائل والتحقق من الرؤية، فمن لم يكن على معرفة بشمائله وصفاته صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن يتحقق أن الذي رآه في المنام هو النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يؤكد أهمية العلم الشرعي، وأهمية دراسة مناقب النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته وشمائله. وإذا عرف المسلم شمائل النبي صلى الله عليه وسلم سلم من أن يغتر أو يزيغ عقله بمكر الشيطان وحيله وتلبيسه، كما اغتر كثير من الناس برؤى رأوها في مناماتهم، وتوهموا أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وتحت تلك الرؤى المزعومة انتشرت كثير من البدع والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتصور، أو قال: لا يتشبه بي. في هذين الحديثين أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعروفة لا بصفة أخرى فقد رآه صلى الله عليه وسلم، أي أنه رآه على صورته الحقيقية؛ لأن الشيطان لا يتمثل به أبداً، فقد يتمثل الشيطان بصور أخرى، يأتي الإنسان في منامه ويقول له: أنا النبي، أو أبو بكر، أو عمر، أو غير ذلك، وهو في ذلك كاذب. قال العلماء: خص الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور به في خلقته؛ لئلا يكذب على لسانه في النوم، وكم استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل. قال علماء التعبير: إذا قال الجاهل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يُسأل عن صفته، فإن وافق الصفة المروية وإلا فلا يُقبل منه. وكان محمد بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره. وعن عاصم بن كليب قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثلني. قال أبي: فحدثت به ابن عباس، فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن علي، فقلت: شبهته به، فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه. هذا الحديث بمعنى الأحاديث السابقة، فالشيطان لا يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقول كليب والد عاصم: فحدثت به ابن عباس، فقال: صفه لي. قال كليب: فذكرت الحسن بن علي، أي لما رأيته في المنام ذكرتني صفته بصفة الحسن بن علي، فصفته مشابهة له، فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه. وهذا شاهد لما سبق تقريره من عناية الصحابة رضي الله عنهم بهذه المسألة، وتحققهم ممن ادعى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام: هل رآه بصفته المعروفة أو بغير صفته. فَإِنْ كَانَ بِصِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ فَقَدْ رَآهُ، فَالشَّيْطَانُ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصِفَةٍ أُخْرَى فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ زَمَنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي، فَمَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي. هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْعَتُ لَكَ رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ أَسْمَرُ إِلَى الْبَيَاضِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، حَسَنُ الضَّحِكِ، جَمِيلُ دَوَائِرِ الْوَجْهِ، قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، قَدْ مَلَأَتْ نَحْرَهُ. قَالَ عَوْفٌ: وَلَا أَدْرِي مَا كَانَ مَعَ هَذَا النَّعْتِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ فِي الْيَقَظَةِ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ هَذَا. فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَزِيدَ الْفَارِسِيِّ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ؟ أَيْ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ. فَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَا يَعْرِفُهُ مِنْ وَصْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَآهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ. فَقَالَ يَزِيدُ: أَنْعَتُ لَكَ رَجُلًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَعْنِي مُتَوَسِّطًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. وَقَوْلُهُ: جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ أَسْمَرُ إِلَى الْبَيَاضِ، أَيْ لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ الْخَالِصِ، بَلْ هُوَ بَيَاضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ. وَقَوْلُهُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، أَيْ أَنَّ جُفُونَهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ السَّمَارِ، كَأَنَّهُ وَضَعَ كُحْلًا وَلَمْ يَكْتَحِلْ. وَقَوْلُهُ: حَسَنُ الضَّحِكِ، جَمِيلُ دَوَائِرِ الْوَجْهِ، مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، أَيْ مَا بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى إِلَى أُذُنِهِ الْيُسْرَى، قَدْ مَلَأَتْ نَحْرَهُ، أَيْ مِنْ كَثَافَتِهَا. وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثَّةً. وَقَوْلُهُ: قَالَ عَوْفٌ، أَيْ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، الرَّاوِي عَنْ يَزِيدَ: وَلَا أَدْرِي مَا كَانَ مَعَ هَذَا النَّعْتِ، يَعْنِي مِنْ صِفَاتٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا، لَعَلَّهُ لَمْ يَحْفَظْ مِنْهَا إِلَّا هَذَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ فِي الْيَقَظَةِ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ هَذَا. يَعْنِي أَنَّ هَذَا النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرْتَهُ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الْمَنَامِ مُطَابِقٌ تَمَامًا لِصِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِحَيْثُ لَوْ أَنَّكَ رَأَيْتَهُ يَقَظَةً وَوَصَفْتَهُ. لا تستطيع أن تزيد عن هذا الوصف. وقال أبو قتادة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رآني يعني في النوم فقد رأى الحق. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي. وقال: ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. هذان الحديثان بمعنى الأحاديث السابقة، فمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقد رأى الحق، والشيطان لا يتخيل به، أي لا يتمثل ولا يتصور به. وقوله: ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، في هذا فضل الرؤية التي يكرم الله سبحانه وتعالى بها عبده المؤمن، وهي من المبشرات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات. قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له. وفي الحديث: إن النبوة قد قُسمت ستة وأربعين جزءًا، وجُعلت الرؤى جزءًا من تلك الأجزاء. قال عبد الله بن المبارك. إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر. وعن ابن سيرين قال: هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. أراد المصنف رحمه الله أن يبين مكانة الأثر، ومكانة الروايات المسندة، وأن الواجب على من أراد لنفسه صحة دينه، وسلامة معتقده وعبادته، عليه أن يرتبط بالأثر، فدين النبي صلى الله عليه وسلم آثار تُروى بالأسانيد. وقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر، أي إذا امتحنت وعُينت قاضيًا، والقضاء هو الحكم والفصل بين الناس، وفيه إشارة إلى أن القضاء من أنواع البلاء. وقوله: فعليك بالأثر، أي باتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، واقتفاء أخباره، ولزوم طريق السلف الصالح. وفي الأثر الثاني قال ابن سيرين رحمه الله: هذا الحديث دين، أي علم الحديث الذي يرفع وينسب ويضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو دين. وقوله: فانظروا عمن تأخذون دينكم، المراد الأخذ عن العدول الثقات، وترك الأخذ عمن عداهم. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. فليس كل من يروي الأحاديث تُقبل روايته، بل لا بد أن يتأكد من عدالته وضبطه. وقال ابن سيرين أيضًا: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. والمصنف رحمه الله ختم بهذين الأثرين لينبه أيضًا على أن المسلم في دراسته للشمائل أو في دراسته لأمور الدين الأخرى يجب عليه أن يعتني بالآثار الصحيحة الثابتة، وهي الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم.