الحلقة (001) باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأقوال والأعمال البارزة والخفية (001)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية. قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. وقال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ. وقال تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. متفق عليه. الإخلاص هو من عمل القلب الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره، وهو شرط لقبول الأعمال. النية هي قصد الشيء مقترنًا بفعله. الهجرة لغةً: الترك، وشرعًا: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة. فوائد الحديث: لا بد من النية في الأعمال، سواء أكانت مقصودة لذاتها كالصلاة، أو وسيلة لغيرها كالطهارة. النية محلها القلب دون اللسان. الأعمال صالحة بالنيات الصالحة، والنية الحسنة لا تجعل المنكر معروفًا والبدعة سنة. فكم من مريد للخير لن يبلغه. الإخلاص لله شرط في قبول العمل، فإن الله لا يقبل من العمل إلا أخلصه وأصوبه. أما أخلصه فما كان لله، وأما أصوبه فما كان وفق السنة الصحيحة. وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم. متفق عليه. البيداء هي كل أرض ملساء لا شيء بها. أسواقهم، أي أهل أسواقهم أو السواقة منهم، وهم من دون الحكام، يبعثون على نياتهم، أي يبعثهم الله من قبورهم ويحاسبهم على مقاصدهم، فيجازون بحسبها، فيفرق بين الكاره والمجبور والمستبصر وابن السبيل. من فوائد الحديث: التباعد عن أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين، لئلا يناله ما يعاقبون به. من كثر سواد قوم في المعصية مختارًا، فإن الإثم والعقوبة تلحقه. الأعمال تعتبر بنية العامل. إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بالمغيبات التي أطلعه الله عليها، وهي من مسائل الإيمان التي يجب اعتقادها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. متفق عليه. ومعناه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام. الفتح، أي فتح مكة. نية، المراد إخلاص العمل لله تعالى. استنفرتم، أي طلب الإمام منكم الخروج لقتال العدو. من فوائد الحديث نسخ وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت دار إسلام. بشارة النبوية أن مكة تبقى دار إسلام أبداً. لا تنقطع الهجرة ما دام في الدنيا دار كفر ودار إسلام، فمن كان في دار الكفر واستطاع الخروج منها إلى دار الإسلام فالهجرة فرض عليه. الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. وجوب الخروج في الغزو إذا دعا إليه الإمام، وفي هذا بيان أن الجهاد لا بد له من إمام وراية. وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال: إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض. وفي رواية: إلا شركوكم في الأجر. رواه مسلم. ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حبسهم العذر. في غزاة، هي غزوة تبوك، شركوكم في الأجر، أي شاركوكم في الثواب. الشعب هو الطريق في الجبل، الوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء بين جبال أو تلال أو آكام. من فوائد الحديث: المجاهدون في سبيل الله أفضل من القاعدين بدرجات، ليس على أولي الضرر كالأعمى والمريض والأعرج حرج. من حبسه العذر كان كأولي الضرر. من صحت نيته من ذوي الأعذار وأولي الضرر بلغ أجر المجاهدين. دل الحديث على سعة رحمة رب العالمين ويسر الإسلام. لن يخلو كل مسلم من مسؤولية الجهاد، وأقل مراتبه النية والقصد إليه. وعن أبي يزيد، معن بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم، هو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا مِنَ الرَّجُلِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا بِإِذْنِهِ، لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِدَاءِ، فَأَتَيْتُ أَبِي بِالدَّنَانِيرِ الْمَذْكُورَةِ، فَخَاصَمْتُهُ، أَيْ فَتَحَاكَمْتُ وَإِيَّاهُ. لَكَ مَا نَوَيْتَ، الْخِطَابُ لِلْأَبِ، أَيْ لَكَ ثَوَابُهُ؛ لِأَنَّكَ نَوَيْتَ الصَّدَقَةَ بِهَا عَلَى مُحْتَاجٍ، وَابْنُهُ مُحْتَاجٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ. لَكَ مَا أَخَذْتَ، الْخِطَابُ لِلِابْنِ، أَيْ لَكَ مُلْكُ مَا أَخَذْتَ؛ لِأَنَّكَ قَبَضْتَهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: فِيهِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّحَدُّثِ بِنِعَمِ اللهِ. جَوَازُ التَّوْكِيلِ فِي تَوْزِيعِ الصَّدَقَةِ، وَلَا سِيَّمَا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ إِسْرَارٍ. جَوَازُ التَّحَاكُمِ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ. يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلْفُرُوعِ. لِلْمُتَصَدِّقِ أَجْرُ مَا نَوَى، سَوَاءً صَادَفَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ لَا. لَا يَحِقُّ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ. جاءني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعودني عامَ حجةِ الوداعِ من وجعٍ اشتدَّ بي، فقلت: يا رسولَ الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسولَ الله؟ فقال: لا. قلت: فالثلث يا رسولَ الله؟ قال: الثلث، والثلث كثير، أو كبير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك. قال: فقلت: يا رسولَ الله، أُخلَّف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وجهَ الله إلا ازددت به درجةً ورفعةً، ولعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة. يرثي له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. متفق عليه. يعودني، أي يزورني في مرض. الشطر، أي النصف. تذر، أي تترك. عالة، أي فقراء. يتكففون الناس، أي يسألون الناس بأكفهم. أخلف بعد أصحابي، أي أأترك في مكة بعد انصرافهم عنها. لعلك أن تُخلَّف، أي لعل الله أن يطيل عمرك، فينتفع بك أناس ويضر بك آخرون. هذا في إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، فقد فتح الله على يد سعد العراق، فاهتدى به أقوام، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، وقُتل على يديه كفار فخسروا. أمضِ، أي أتمم. البائس هو من اشتدت حاجته واشتد حزنه. سعد بن خولة هو من المهاجرين السابقين، شهد بدراً، وتوفي في حجة الوداع، ودفن بمكة. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ولكن البائس سعد بن خولة، كلمة توجع وتحزن لحاله، لكونه مات بمكة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها، مع حبهم فيها لله. ومناسبة ذكر هذا عند سعد بن أبي وقاص تطييب قلبه بقبول هجرته وإكمالها له، لا كسميه سعد بن خولة. يرثيه، أن يحزن له ويتوجع من أجله. من فوائد الحديث: مشروعية زيارة المريض للإمام فمن دونه، وتتأكد باشتداد المرض. يجوز ذكر المرض لغرض صحيح، من نحو طلب دواء أو دعاء رجل صالح، وأن ذلك لا ينافي الصبر الجميل. جواز وضع اليد على جبهة المريض، ومسح وجهه ومسح العضو الذي يؤلمه، والدعاء له في طول العمر. الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء مرضاة الله. إباحة جمع المال بشرطه من وجه حلال، ولا يعد ذلك كنزًا إذا كان صاحبه يؤدي حقه. الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث. الإنفاق على العيال فيه أجر إذا قصد به العبد مرضاة الله عز وجل. الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد. منع نقل الميت من بلد إلى آخر، إذ لو كان ذلك مشروعًا لأمر بنقل سعد بن خولة، ولم يرث له. وجوب النظر في مصالح الورثة، ومراعاة العدل بينهم. رياض الصالحين.