الحلقة (003) باب التوبة (003)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب التوبة. قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. هذا إذا لم يترتب على الاستحلال منه مفسدة أخرى، وإلا فالواجب حينئذ الاكتفاء بالدعاء له. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة. قال الله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. وقال تعالى: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. رواه البخاري. أستغفر: أي أطلب المغفرة، وهي الصفح عن الذنب. أتوب إليه: أعزم على التوبة. من فوائد الحديث: حض الأمة على التوبة والاستغفار، فإنه صلى الله عليه وسلم مع كونه معصوما وخير الخلائق، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يستغفر ويتوب في اليوم سبعين مرة، تعليما لأمته، وزيادة في درجاته عند الله. الإكثار من الاستغفار والتوبة، فإن العبد لا ينفك عن ذنب أو تقصير. وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: وجوب التوبة على الأعيان؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، والمخاطب الناس كافة دون استثناء. ما ذُكر في هذا الحديث والذي قبله من العدد لا يُقصد به التحديد، وإنما المقصود به الكثرة. وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. سقط على بعيره، أي صادفه وعثر عليه من غير قصد، وقد أضله، أي ذهب منه بغير قصده ولم يعرف موضعه، بفلاة، أي أرض واسعة خالية، راحلته هي ما يركبه المسافر من ناقة أو غيرها، خطامها هو حبل يجعل على فم الدابة لتقاد به. من فوائد الحديث: إثبات صفة الفرح لله، وأنها صفة تليق بجلاله وكماله، ولا يلزم من إثباتها أن تكون كفرح المخلوقين. سعة رحمة الله تعالى التي تتجاوز عن المسيء، وتقبل المحسن، وتقبل التوب، وتغفر الذنب. عدم المؤاخذة في الخطأ غير المتعمد، مثل هذا في حال دهشته وذهوله. الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم بضرب المثل لتقريب المعنى وزيادة الإيضاح. جواز القسم للتأكيد على ما فيه فائدة ومصلحة. من ركن إلى ما سوى الله ينقطع به أحوج ما يكون إليه، لأن الرجل ما نام في الفلاة وحده إلا ركونًا إلى ما معه من الزاد، فلما اعتمد على ذلك انقطع به وخانه، لولا أن الله لطف به وأعاد عليه ضالته. الاستسلام لأمر الله خير وبركة، لأن هذا العبد لما أيس من وجدان راحلته استسلم، فمنَّ الله عليه برد ضالته. وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. رواه مسلم. من فوائد الحديث: إثبات صفة اليد لله، وأن له يدين تليقان بجلاله وكماله، ولذلك يجب الإيمان بها وعدم السؤال عن كيفيتها. رحمة الله وسعت كل شيء. من شروط قبول التوبة أن تكون في حالة التمكن، وهو هنا ما لم تطلع الشمس من مغربها، الذي هو من علامات الساعة الكبرى. الحث على المسارعة في التوبة إذا وقعت المعصية في ليل أو نهار. وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. رواه الترمذي. ما لم يغرغر، أي ما لم تبلغ روحه الحلقوم، وهي حالة النزع، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، وهو جعل الشراب في الفم ثم ترديده إلى أصل الحلقوم فلا يبتلعه. من فوائد الحديث. لا تُقبل التوبة في حالة الغرغرة، وهي حالة النزع. قال تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن. من شروط التوبة أن تقع من العبد قبل أن يصل إلى حالة لا تمكن الحياة بعدها عادة. وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب. فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. فقلت: هل سمعته يذكر في الهواء شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فبينما نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري. يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: هاء. فقلت له: ويحك، اغضض من صوتك، فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة. فما زال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً. قال سفيان أحد الرواة: قبل الشام. خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي. ما جاء بك؟ أي ما حملك على المجيء؟ ابتغاء العلم، من أجل طلب العلم. تضع أجنحتها، أي تكف أجنحتها عن الطيران وتلتزم السكينة، توقيراً لطالب العلم ورضاً بصنيعه. حك في صدري، أي تلجلج وتردد وحصل عندي شك منه. الغائط هو المكان المنخفض في الأرض، سمي به الخارج من دبر الإنسان للمجاورة. سفراً جمع سافر، وهو المسافر. خفافنا جمع خف، وهو ما يلبس في قدم الإنسان كالنعل. الجنابة هي البعد، وفي الشرع هو كل ما يوجب الغسل من جماع أو إنزال أو احتلام، وسمي بذلك لأنه يصبح بعيدًا عن بعض العبادات التي كان يفعلها. لكن من غائط، أي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة، ولكن لا ننزعها من غائط أو بول أو نوم في تلك المدة. الهوى: الحب. أعرابي: نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البوادي. جهوري: أي شديد مرتفع. نحوًا من صوته: أي بصوت مرتفع كصوته. هاءم: أي خذ. ويحك: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في سوء لا يستحقه. اغضض من صوتك: أي اخفض من صوتك. لمّا يلحق بهم: أي لم يعمل مثل عملهم من حيث الكمال. من فوائد الحديث: الترغيب في طلب العلم. سؤال المكلف أهل العلم عما أشكل عليه من أمر دينه، كما في قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. مطالبة السائل للعالم عن دليله. وعلى العالم ألا يتحرج من ذلك، لأن اقتران الفتيا بدليلها أمارة على الصدق والإخلاص، كما في قول الله تعالى: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. جواز المسح على الخفين، ومدته ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. ينوب المسح على الخفين عن غسل الرجلين من الغائط والبول والنوم، وأما في الحدث الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس، فلا بد من نزعه وغسل الرجلين. التأدب مع العلماء وخفض الصوت في مجالسهم. تعليم الجاهل حسن الأدب وقواعد السلوك. مجالسة الأخيار وحبهم، لأن المرء مع من أحب يوم القيامة، والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. ولأن من شأن المحبة أن تجذب المحب إلى طريق من يحب، وتحمله على طاعته، ولذلك قيل: الصاحب ساحب. الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في حلمه وحسن خلقه، ومخاطبته الناس على قدر علمهم وعقولهم. رياض الصالحين.