الحلقة (004) باب التوبة (004)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب التوبة. وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، أَيْ حَكَمًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي. وَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوَجَدُوهُ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا. راهب: أي عابد من عباد بني إسرائيل. من يحول: أي من يكون حائلاً وفاصلاً فيمنعه من التوبة. أدنى: أي أقرب. فنأى بصدره: أي نهض بجهد ومشقة، رغم ثقل ما أصابه من الموت. من فوائد الحديث: حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في التوجيه والموعظة بضرب الأمثال؛ لأن النفوس تميل إلى الاقتداء بجنسها لتخرج من رجزها. جواز التحدث عن بني إسرائيل، فإن فيهم كانت الأعاجيب. ولكن إذا حدثنا أهل الكتاب بشيء فلا نصدقهم ولا نكذبهم. النفس البشرية فيها خير أصيل، والشر والسوء دخيل، فإذا صادفت من يذكرها فإن فيها استعدادًا للاستقامة على طريق الهدى. فضل العلم مع قلة العبادة على كثرة العبادة مع الجهل، لأن العابد الجاهل ربما أساء من حيث أراد أن يحسن صنعًا، فهلك وأهلك وضل وأضل. ينبغي لمن يتصدى لهداية الناس ودعوتهم للإسلام والحق أن يطلب العلم الشرعي، وإلا فيكون ضرره أكثر من نفعه. الجاهل عدو نفسه، فقلة فطنة الراهب صرعته. ينبغي على العالم والداعي إلى الله أن يبشر ولا ينفر، ولا يجعل الناس يقنطون من رحمة الله التي وسعت كل شيء. باب التوبة مفتوح من جميع الذنوب والخطايا، كبيرها وصغيرها، والتائب بصدق مقبول عند الله تعالى مهما عظم ذنبه وكثرت خطاياه ما لم يشرك بالله شيئًا. الملائكة الموكلون ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعًا أو عاصيًا، ويختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم. قدرة الملائكة على التشكل في صورة الإنسان. مشروعية التحول من الأرض التي يُعصى الله فيها إلى أرض لا يُعصى الله فيها، أو إن أهلها أقل سوءًا من الأولى. ينبغي على التائب مفارقة الأحوال التي اعتادها زمن المعصية، والتحول فيها كلها والاشتغال بغيرها. مصاحبة أهل العلم والتقوى والصلاح تعين على طاعة الله وتقمع الشيطان. تحمل المشقة من أجل اللحاق بالصالحين دليل على صدق الرغبة في التوبة إلى الله عز وجل. جواز التحكيم، حيث أرسل الله ملكًا بصورة آدمي يحكم بين الملائكة المتخاصمين. إذا تعارضت الأدلة والأحوال وتعددت البينات عند الحاكم، فله أن يستدل بالقرائن على الترجيح. حب الله تعالى لتوبة عباده، وإخباره الملائكة بذلك مباهاةً بهم، وأخذه بيد عباده التائبين إلى النجاة. وعن أبي نجيد، عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما، أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله، أصبت حدًّا فأقمه علي. فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني. ففعل. فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَصَبْتُ حَدًّا، أَيْ فَعَلْتُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَأَرَادَتِ الزِّنَا، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، أَيْ جُمِعَتْ أَطْرَافُهَا لِتَسْتَتِرَ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ أَثْنَاءَ رَجْمِهَا، لَوَسِعَتْهُمْ، لَكَفَتْهُمْ فِي رَفْعِ آثَامِهِمْ، جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ بَذَلَتْهَا لِمَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُ مُفَتَّنٌ تَوَّابٌ، إِذَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ أَسْرَعَ لِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَتَطْهِيرِهَا مِنْ لَوْثَةِ الْإِثْمِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ نَفْسِهِ. الْحُدُودُ زَوَاجِرُ جَوَابِرُ، فَمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا كَانَ نَصِيبُهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. حَدُّ الزِّنَا لَا يُقَامُ عَلَى الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. الْعُقُوبَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ تُكَفِّرُ ذَنْبَ الْمَعْصِيَةِ إِذَا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِالنَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ. وعن ابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. متفق عليه. وادٍ من ذهب، أي ملء وادٍ من ذهب، لن يملأ فاه إلا التراب، أي أن ابن آدم لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ فمه من تراب قبره. من فوائد الحديث: ذم الاستكثار من جمع المال وتمني ذلك والحرص عليه؛ لأن جلبه من كل باب يؤدي إلى البخل والشح، وأما جمع المال من طريق حلال وتأدية حقه فليس مذمومًا. يقبل الله توبة من تاب من الصفات المذمومة. شدة حرص الإنسان على جمع المال وغيره من متاع الدنيا، وهذا الحرص الشديد مذموم إذا كان فيه تضييع للطاعة وانشغال القلب بالدنيا أكثر من الآخرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة. يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد. متفق عليه. من فوائد الحديث: إثبات صفة الضحك لله تعالى، وهي صفة من صفات الأفعال التي تقوم بالله تعالى كما يليق بجلاله وكماله. عدم اليأس من رحمة الله تعالى، لأن الإسلام يجب ما قبله من الكفر والشرك. وجوب التوبة من الذنب مهما عظم. الاستشهاد في سبيل الله تعالى من موجبات الجنة. رياض الصالحين.