الحلقة (006) باب الصبر(006)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الصبر. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا. وقال: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. وقال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. وقال تعالى: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور. وقال تعالى: استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين. وقال تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين. والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة. عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. رواه مسلم. الطهور: المراد فعل الطهارة. شطر: أي نصف. تملأ الميزان: أي تملأ الميزان الذي توزن به الأعمال. الصلاة نور: أي نور تضيء لصاحبها طريق الحق في الدنيا، والصراط في الآخرة عند المرور عليه. الصدقة برهان: أي حجة على إيمان مؤديها. الصبر ضياء: الضياء شدة النور، وبالصبر تنكشف الظلمات والكربات. فمعتقها: أي مخلصها من العذاب. موبقها: أي مهلكها بارتكاب المعاصي والبعد والحرمان. من فوائد الحديث: فضل الوضوء في الإسلام، وهو شرط لصحة الصلاة، فصارت كالشطر. الأعمال يكون لها وزن يوم القيامة، فتثقل وتخف، وهذا يثبت الميزان. بيان فضل الذكر وعظمة أجره، وذلك لأن فيه تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وإظهار الافتقار له بقول: الحمد لله. الحث على الإكثار من الصلاة؛ لأنها نور يضيء للمسلم سبل السلامة في الحياة، ولأنها تحجب صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب. وتصد عن المهالك بما فيها من نور تقذفه في القلب وتضفيه على الجوارح. الإكثار من الصدقة دليل على صدق المؤمن وإخلاصه والتزامه بالشريعة. بيان فضل الصبر، وأنه أمر محمود لا يزال صاحبه مستضيئًا بهديه. القرآن الكريم هو المصدر الأول لجميع الأحكام الشرعية، وهو المرجع عند التنازع، وهو دستور المسلم. لا بد لكل إنسان من عمل يغدو له حتى لا يترك نفسه هملاً. المسلم يسعى للاستفادة من عمره في طاعة الله عز وجل. وعن أبي سعيد سعد بن سنان الخدري رضي الله عنهما أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر. متفق عليه. نفد أي فرغ، فلن أدخره أي لن أخبئه وأمنعكم إياه. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ، أيْ مَنْ يَطْلُبِ العِفَّةَ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ، وَالِاسْتِشْرَافِ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، يُعِفَّهُ اللهُ، أيْ يَرْزُقْهُ اللهُ العِفَّةَ، فَيَصِيرُ عَفِيفًا قَنُوعًا. يُغْنِهِ اللهُ، أيْ يَجْعَلُهُ غَنِيَّ النَّفْسِ، وَيَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابَ الرِّزْقِ. مِنْ فَوَائِدِ الحَدِيثِ: كَرَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ. التَّرْغِيبُ بِالقَنَاعَةِ وَالِاسْتِعْفَافِ. تُنَالُ مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الصِّفَاتِ بِتَرْغِيبِ النَّفْسِ وَتَرْوِيضِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ تُكْتَسَبُ. جَوَازُ إِعْطَاءِ السَّائِلِ مَرَّتَيْنِ. جَوَازُ الِاعْتِذَارِ إِلَى السَّائِلِ. جَوَازُ السُّؤَالِ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ الأَوْلَى تَرْكُهُ وَالصَّبْرُ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِالفَرَجِ. مِنْ صِفَاتِ المُسْلِمِ: العِفَّةُ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ، وَمِنْهَا الفَقْرُ. وَعَنْ أَبِي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. رواه مسلم. عجبًا، أي أعجب عجبًا، وتعجب ابن آدم من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه. السراء، أي ما يسره. الضراء، أي ما يضره في بدنه أو فيما يتعلق به من أهله أو ولده أو ماله. من فوائد الحديث: حياة المؤمن كلها خير وأجر، سواء أكان فيما يظهر له أنه شر أو خير. المؤمن الذي كمل إيمانه وخلص يقينه يشكر الله في السراء ويصبر على الضراء، فهو يتقلب في مقام الرضا، ولذلك تنقلب النقمة في حقه نعمة، والمحنة منحة بما فيها من أجر وثواب وحسن مآب. الكافر يتضجر ويسخط في المصيبة، فيجتمع عليه كفلان من الوزر: عدم رضاه بقضاء مولاه، وعدم الصبر عند حلول القدر. الأجر على كل حال لا يكون لغير أهل الإيمان. وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه. فقال... ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ رواه البخاري. ثقل، أي من شدة المرض. يتغشاه الكرب، أي تنزل به الشدة من سكرات الموت. ننعاه، أي نرفع خبر وفاته صلى الله عليه وسلم إلى جبريل. من فوائد الحديث: الأنبياء أشد الناس بلاءً في حياتهم وعند موتهم، لرفع درجاتهم وزيادة أجورهم. جواز التوجع للميت عند احتضاره، بمثل قول فاطمة رضي الله عنها، وأنه ليس من النياحة المنهي عنها. يجوز ذكر الميت بصفاته بعد موته. ما بعد الحياة الدنيا خير للأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وكذلك أتباعهم. الدنيا دار تعب ونصب، والآخرة لا شيء فيها من هذا للمؤمن. جواز إظهار الحزن على فراق الميت من غير ندب وعويل وإظهار السخط. قول فاطمة رضي الله عنها: أطابت أنفسكم؟ تعبير عن حزنها، وليس اعتراضًا على دفنه صلى الله عليه وسلم. وعن أبي زيد، أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني قد احتضر، فاشهدنا. فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم. فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وفي رواية: في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. متفق عليه. ومعنى تقعقع: تتحرك وتضطرب. بنت النبي صلى الله عليه وسلم، المراد زينب رضي الله عنها. احتضر، أي حضرته مقدمات الموت. فاشهدنا، أي احضرنا. بأجل مسمى، أي معلوم مقدر. ولتحتسب، أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. ففاضت عيناه، أي امتلأت عيناه بالدموع وسالت. من فوائد الحديث: جواز طلب الحضور من ذوي الفضل للميت لرجاء بركتهم ودعائهم. جواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذن. استحباب إبرار المقسم. استحباب أمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو راض بقدر الله. جواز تكرار الدعوة وإخبار المدعو بالأمر الذي يُستدعى من أجله. الترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة بهم. الترهيب من قسوة القلب وجمود العين. جواز البكاء من غير نوح. تسلية من نزلت به المصيبة بما يخفف من ألم مصابه. عيادة المريض ولو كان مفضولًا أو صبيًا صغيرًا من مكارم الأخلاق، ولذلك ينبغي على أهل الفضل ألا يقطعوا الناس عن فضلهم. جواز سؤال الإمام أو العالم عما أشكل عليه من ظاهر فعله. تقديم حسن الأدب على السؤال، ظاهر في قول سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟ تفيض رحمة الله تعالى على عباده بسبب رحمة بعضهم لبعض، ومن مفهوم المخالفة أن إمساك الرحمة عن العباد بسبب قسوة بعضهم على بعض. رياض الصالحين.