الحلقة (007) باب الصبر(007)

رياض الصالحين · المقطع 7 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الصبر. وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر. فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر. فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل. فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى. وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ. وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ تَعَالَى دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللَّهِ تَعَالَى فَشَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي. قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ. فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ تَعَالَى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى، فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى، فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ وَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ. بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام. فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري فإنك على الحق. رواه مسلم. ذروة الجبل، أي أعلاه. القرقور هو نوع من السفن. الصعيد هنا أي الأرض البارزة. الأخدود: الشقوق في الأرض كالنهر الصغير. أضرم أي أوقد. انكفأت أي انقلبت. تقاعست أي توقفت وجبنت. راهب، هو المتعبد من النصارى. حبسني، أي منعني. الأكمة، الذي ولد أعمى. الأدواء، أي الأمراض والأسقام. في مفرق رأسه، أي في مكان فرق شعره. فرجف، أي تحرك الجبل واضطرب بهم. جذع، أي عود من أعواد النخل. في كبد القوس، أي في وسطه، وهو مقبضها عند الرمي. في صدغه، الصدغ هو ما بين العين إلى شحمة الأذن. بأفواه السكك، أي بأبواب الطرق. فخدت، أي شقة الأخاديد. فأقحموه، أي ألقوه كرها. من فوائد الحديث: أهل الفساد يبحثون عمن يرث فسادهم ويكدون في إيجاده وإبقائه. استعانة الملوك والحكام الذين لا يحكمون بشرع الله بالسحرة والعرافين. استحباب التعليم في الصغر، فإنه كالنقش في الحجر، لأن الصغير يمكن توجيهه وتعليمه بالطريقة المرادة لقابلية التعليم عنده. إثبات كرامات الأولياء، وهم الذين آمنوا بالله وكانوا يتقون. قلوب العباد بيد الله، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء. فقد اهتدى الغلام وهو في أحضان الساحر، وعناية الملك العاثر. عدم الاغترار بالكرامة ونسبتها إلى الله تعالى من حيث الأصل والتفضل. جواز اختبار مقامات العباد عند الشك فيهم والاضطراب في أمرهم، وقد فعل ذلك الغلام المؤمن عندما قال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل. جواز التورية على الخصوم لما يترتب عليه من مصلحة الكذب في الحرب على الأعداء وفي إنقاذ النفس من الهلاك. المؤمن يمتحن في صدق إيمانه والثبات على قول الحق، وإن أدى إلى إزهاق نفسه. التضحية في سبيل الدعوة إلى الله تعالى وإظهار الحق. أهل الإيمان يسخرون كل ما آتاهم الله وتفضل به عليهم لخدمة دينه والدعوة إلى سبيله. أن الله تعالى يظهر الحق وينصر أهله ويهزم الباطل وحزبه. يجوز للمسلم أن يضحي بنفسه إذا كان في ذلك مصلحة دينية عامة، ولا يخشى من مواجهة الباطل وجنده. بيان حقيقة الصراع بين الطواغيت والدعاة إلى الله، وأن سبب ذلك أن الدعاة يريدون تعبيد العباد لرب العباد وحده، بينما الطواغيت يريدون من الناس أن يتخذوهم أربابا من دون الله. أسباب الهلاك بيد الله، فإن شاء أنفذها، وإن شاء قطعها. الإصرار على إيصال الدعوة إلى الله إلى كافة الناس، ولو كان ذلك يؤدي إلى الموت في سبيل الله. أهل الكفر لا تنقصهم الحجج والبراهين ليؤمنوا، وإنما سبب كفرهم هو العناد والكبر. الطواغيت والظالمون عندهم استعداد لقتل الناس جميعًا ليبقوا على ما هم فيه من نعيم الدنيا. أن الله يأتي الذين ظلموا من حيث لم يحتسبوا، فقد آمن الناس برب الغلام عندما رأوا ثباته وصدق دعوته وعدم خشيته في الله لومة لائم. هناك من تكلم في المهدي غير عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث يشرح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جريج العابد: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، وذكرهم، وأنهم في بني إسرائيل. إثبات إعجاز القرآن؛ لأنه أخبر عن المغيبات التي نسيها التاريخ، إذ أخبر عن أصحاب الأخدود الذين قال الله تعالى فيهم: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ. استعمال المربي القصص في التوجيه؛ لأن فيها تأثيرًا قد لا يكون بالموعظة المباشرة. وعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرف. فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا. إِلَيْكَ عَنِّي، أَيْ تَنَحَّ وَابْتَعِدْ عَنِّي. الصَّدْمَةُ الْأُولَى، أَيْ مُفَاجَأَةُ الْمُصِيبَةِ عِنْدَ ذَرْوَتِهَا وَحَمْوَتِهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: عَدَمُ الصَّبْرِ يُنَافِي التَّقْوَى. الصَّبْرُ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مَا كَانَ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْمُصِيبَةِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِذَا طَالَتِ الْأَيَّامُ وَقَعَ السُّلُوُّ طَبْعًا، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ مِنَ الصَّبْرِ. مِنْ شُرُوطِ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ: الْإِخْلَاصُ وَعَدَمُ شَكْوَى اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي أَوَانِهِ. تَوَاضُعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِفْقُهُ بِالْجَاهِلِ. مُلَازَمَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. الْمَرْءُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ عَلَى حُسْنِ نِيَّتِهِ وَثَبَاتِهِ وَجَمِيلِ صَبْرِهِ وَرِضَاهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. وَلِذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ. مُسَامَحَةُ الْمُصَابِ وَقَبُولُ اعْتِذَارِهِ. وَلِذَلِكَ انْصَرَفَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا قَالَتْ لَهُ. إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. من أُمِرَ بمعروف عليه أن يتقبله بقبول حسن ويخضع للحق، ولو لم يعرف الآمر له. الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة. على الحاكم والقاضي ألا يتخذ من يحجبه عن رعيته أو عن حوائج الناس، فالمرأة عندما أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجد عنده بوابين. على من ولاه الله أمراً من أمور المسلمين أن يتفقد ما استرعاه الله عنه، فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويقيل عثرته ويقضي حاجته، ويسد خلته ويقبل معذرته. رياض الصالحين.