الحلقة (009) باب الصبر(009)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الصبر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عُدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا. متفق عليه. وقوله كالصرف هو صبغ أحمر. حنين: وادٍ بين مكة والطائف. ناسًا: أي من المؤلفة قلوبهم، والطلقاء، ورؤساء العرب يتألفهم. القسمة: قسمة غنائم قبيلة هوازن. آثرهم، أي أعطاهم عطايا نفيسة، لا جرم، أي حقا. من فوائد الحديث: جواز تخصيص قوم بالعطاء دون قوم إذا رأى الإمام مصلحة راجحة لذلك. من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله تأليف قلوب الأشراف وذوي الجاه بما أحبوا من المال. في كل عصر أعداء للأنبياء وأتباعهم يطعنون فيهم ويردون عليهم قولهم ويشككون في أمرهم. وجوب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقد نقل عبد الله بن مسعود كلام الذين طعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه. الصفح عن عثرات اللئام سنة قديمة في الأنبياء، فقد أوذي موسى عليه السلام فصبر، وأوذي محمد صلى الله عليه وسلم فصفح. تأسي الرسول صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء تحقيقا لقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. الرسول بشر يتأثر بما يتأثر به البشر، فكان إذا أنكر شيئا أو غضب من شيء أو سر بأمر عرف ذلك في وجهه. أعظم الناس عدلا وأشدهم خوفا في الله وأكثرهم علما بالله هم الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وعن أنس رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. يوافي: أن يأتي بذنبه حاملًا له على كاهله. من فوائد الحديث: تعجيل العقوبة في الدنيا أمارة خير أراده الله بعبده؛ لأنها كفارة للذنوب وسبب في زوالها. عذاب الآخرة أشد وأنكى، فمن لم يرد الله به خيرًا أخر له العقوبة حتى يصاب بالخزي يوم القيامة. يبتلي الناس على حسب دينهم. الصبر على المصائب والأمراض تطهير للذنوب. على المؤمن أن يكون راضيًا بمبتلى به، ولا ييأس ويسخط منه. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم، وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم. قال: اللهم بارك لهما. فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، فقال: أمعه شيء؟ قال: نعم، تمرات. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. متفق عليه. وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود. وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء، فقربت إليه عشاءً فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها. فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت، ثم أخبرتني بابني. فانطلقا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما كان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في ليلتكما. قال: فحملت. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاماً. فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ، لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. لَيَشْتَكِي، أَيْ يُعَانِي مِنْ مَرَضٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ شَكْوَى. ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ يُمَازِحُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، أَيْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ بِالْمَوْتِ بَعْدَمَا كَانَتْ قَلِقَةً مُنْزَعِجَةً، ثُمَّ أُصِيبَ مِنْهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ. تَصَنَّعْتُ لَهُ، أَيْ بِتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ بِالْحُلِيِّ وَنَحْوِهِ. وَقَعَ بِهَا، أَيْ جَامَعَهَا. أَرَأَيْتَ، أَيْ أَخْبِرْنِي. احْتَسِبِ ابْنَكَ، أَيْ اطْلُبْ ثَوَابَ مُصِيبَتِكَ فِي ابْنِكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى. تَلَطَّخْتُ، أَيْ تَقَذَّرْتُ بِالْجِمَاعِ. لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا، أَيْ لَا يَأْتِيهَا لَيْلًا لِئَلَّا يَرَى مِنْ أَهْلِهِ مَا يَكْرَهُ. ضَرَبَهَا الْمِخْضَبُ، أَيْ وَجَعُ الْوِلَادَةِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: فِي الْحَدِيثِ مِثَالٌ وَاقِعِيٌّ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ فِي عَقْلِهَا الْكَبِيرِ وَذَكَائِهَا الْوَقَّادِ. صَبْرُ أُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى مَوْتِ وَلَدِهَا مِثَالٌ يُحْتَذَى لِلنِّسَاءِ. التلطف في الإخبار عن وفاة أو مصيبة. إيثار إرضاء الزوج على حزنه، وهذا من وفاء الزوجة لزوجها. حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، والحرص على ملازمته واستشارته والتبرك بصحبته. على الزوجين أن يخفف كل واحد منهما مصيبة الآخر، ويتزينا لبعضهما لدوام العشرة وتمكين المودة. من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وأن ذلك لا يعد من الكذب. اجتهاد المرأة في عمل مصالح زوجها والقيام على خدمته، كما صنعت أم سليم حيث قربت له العشاء فتعشى. إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فبارك في ولدهما المولود من تلك الليلة، وكثرت ذريته وصلحت. استحباب التسلية عند المصائب عن المصاب، كما فعلت أم سليم مع أبي طلحة عندما ضربت له مثلًا بالوديعة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. متفق عليه. والصرعة أصله عند العرب من يصرع الناس كثيرًا. من فوائد الحديث: تغيير الإسلام لمفهوم القوة الجاهلي إلى أخلاق كريمة تبني شخصية مسلمة متميزة، فأشد الناس قوة هو من ملك زمام نفسه وفطمها عن شهواتها. مجاهدة النفس وامتلاك زمامها أشد من مجاهدة العدو. وجوب الابتعاد عن الغضب لما فيه من الأضرار الجسمية والنفسية والاجتماعية. الغضب صفة بشرية تنصرف بأمور، منها مسك النفس. حرمة الاعتداء على الآخرين في حالة الغضب وغيره. وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. متفق عليه. يستبان، أي يسب كل منهما صاحبه. أوداجه، ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح. كلمة، هي الجملة المفيدة. أعوذ، أي ألجأ وأعتصم. من فوائد الحديث: الحديث مستمد من قوله تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. الغضب يثيره الشيطان لما يترتب عليه من الضرر في الدين والدنيا، ولذلك كان قطع سببه وهو وسوسة الشيطان بالاستعاذة. الصحابة بشر، يصدر عنهم ما يعتري عامة الخلق من الغضب، إلا أنهم تميزوا بسرعة الاستجابة لتذكير الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم التمادي في الباطل. حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، والتذكير بالله والنصح للمسلمين، وذلك بأن الذي يتوقع ألا يستجيب للنصيحة لا تُوجَّه إليه مباشرة. استحباب النصح للآخرين وإن لم يطلبوه. جواز نقل النصيحة لمن لم يسمعها لينتفع بما فيها. رياض الصالحين.