الحلقة (010) باب الصبر(010)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الصبر. وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء. رواه أبو داود والترمذي. كظم غيظًا، أي تجرع الغيظ واحتمل سببه وصبر عليه. من فوائد الحديث: الحث على كظم الغيظ؛ لأنه من صفات المؤمنين الكمل، لقوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. يُعتد بقيمة العفو عند القدرة على الانتصار. قوة الإرادة وقوة الشخصية تظهران في المواقف الحرجة المثيرة للغضب والهيجان، فيملك الإنسان زمام غضبه ويكظم غيظه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب. فردد مرارًا، قال: لا تغضب. رواه البخاري. من فوائد الحديث. إعطاء النصيحة وبذلها لمن طلبها، بل هي حق للمسلم على أخيه. في تكرير النصيحة منفعة للمنصوح؛ لأن في الإعادة إفادة. عِظَم مفسدة الغضب وما ينشأ عنه، وأنه لا يأتي بخير إلا إذا كان لله. ذم الغضب والبعد عن أسبابه؛ لأن التحرز منه جماع الخير. الغضب المذموم ما كان في أمور الدنيا، والغضب المحمود ما كان لله ولنصرة دينه. وكان عليه الصلاة والسلام لا يغضب إلا إذا انتُهكت حرمات الله. ينبغي على من وقع في الغضب أن يدفعه بأسباب منها: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والسكوت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا غضب أحدكم فليسكت. وينبغي عليه إذا كان واقفًا أن يجلس، وإذا كان جالسًا أن يضطجع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع. وعليه أيضًا بالوضوء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث. المؤمن معرض للاختبار بألوان من البلاء. بشارة المؤمن المبتلى. قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. البلاء يكفر الذنوب إذا رضي العبد ولم يسخط. من رحمة الله بعباده المؤمنين أن يكفر عنهم ذنوبهم في دنياهم بعوارض الدنيا وآفاتها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. فاستأذن، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ. والله ما جاوزها عمر حين تلاها. وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رَوَاهُ الْبُخَارِي. الْقُرَّاءُ، أَيِْ الْعُلَمَاءُ الْعُبَّادُ. أَصْحَابُ مَجْلِسِ عُمَرَ، أَيِْ الْمُلَازِمِينَ لِمَجْلِسِهِ. كُهُولًا، أَيْْ مَنْ زَادَ عُمُرُهُمْ عَنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً. لَكَ وَجْهٌ، أَيْْ لَكَ جَاهٌ وَمَنْزِلَةٌ. الْجَزْلُ، أَيِْ الْعَطَاءُ الْكَثِيرُ. الْعُرْفُ، أَيِْ الْمَعْرُوفُ. أَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، أَيْْ لَا تُقَابِلْهُمْ بِسَفَهِهِمْ. وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ، أَيْْ مُمْتَثِلًا لِأَحْكَامِهِ لَا يُجَاوِزُهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَحَمَلَتِهِ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِأَحْكَامِهِ. تَوْجِيهٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ بِطَانَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجَالِسُهُمْ وَيَسْتَشِيرُهُمْ. رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ بِهَوَى وَلَا لِمَصْلَحَةٍ، بَلْ يَكُونُ نُصْرَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ. مَنْقَبَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ اللهِ، مُمْتَثِلًا لِأَوَامِرِهِ، لَا يَتَجَاوَزُهَا وَلَا يَتَعَدَّاهَا. حِكْمَةُ الْعَالِمِ فِي تَذْكِيرِ إِمَامِهِ. اسْتِحْبَابُ صَبْرِ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَالْحِرْصُ عَلَى مَصَالِحِهَا. عَلَى كُلِّ مَسْؤُولٍ وَحَاكِمٍ أَلَّا يَتَرَدَّدَ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ. فالرجوع إلى الحق فضيلة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم. متفق عليه. والأثرة: الانفراد بالشيء عمن له فيه حق. من فوائد الحديث: الصبر على المقدور، والرضا بالقضاء حلوه ومره وخيره وشره، الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه ولا يخلع، بل يتضرع إلى الله تعالى في كف أذاه ودفع شره وإصلاحه. الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بما سيكون في أمته. جواز إعلام الشخص الذي سيبتلى بما يتوقع له من البلاء، ليوطن نفسه إذا أتاه ما يوعد. الاعتصام بالكتاب والسنة مخرج من الفتنة والاختلاف، ونور يريك الحق حقاً والباطل باطلاً. الحض على وحدة الجماعة المسلمة، فدرء المفسدة أولى من جلب المصلحة. وعن أبي يحيى أسيد بن حضير رضي الله عنه. أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. متفق عليه. تستعملني، أي تجعلني عاملاً. الحوض، أي حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. من فوائد الحديث: لا يجوز طلب الولاية والإمارة، ومن طلبها لا تُعطى له. أفاد قوله صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أثرة، أن الاستئثار للحظ الدنيوي إنما يقع بعده صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك في زمانه. الصبر على ظلم الحاكم إذا استأثر بالدنيا. فيه بيان منقبة للأنصار، وأنهم ممن يرد الحوض على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم. متفق عليه. في بعض أيامه، أي في بعض غزواته وحروبه، انتظر، أي أخر قتالهم. مالت الشمس، أي مالت عن كبد السماء إلى جهة الغروب، وهو وقت الزوال. الأحزاب، أي الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. من فوائد الحديث: الاستعداد للجهاد، ويشمل إعداد القوة، والخروج للقاء العدو، واللجوء إلى الله تعالى بالدعاء بعد ترك المعاصي والتوبة الصادقة. استحباب الدعاء حال الكرب والشدائد، وبخاصة عند التحام الصفين، فإنه من مواطن إجابة الدعاء. رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وأمته. عدم الاعتماد على القوة المادية وحدها، وترك الحذر والحيطة والحزم. الصبر عند لقاء العدو، وهو أهم عناصر الثبات في الجهاد. وصية المقاتلين في سبيل الله بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه. استحباب التوسل إلى الله بصفاته العلى وأسمائه الحسنى. النهي عن تمني لقاء العدو. رياض الصالحين.