الحلقة (012) باب المراقبة (012)

رياض الصالحين · المقطع 12 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المراقبة. قال الله تعالى: الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. وقال تعالى: وهو معكم أينما كنتم. وقال تعالى: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقال تعالى: إن ربك لبالمرصاد. وقال تعالى: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان. وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. رواه مسلم. ومعنى تلد الأمة ربتها، أي سيدتها. ومعنى أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد. وقيل غير ذلك. والعالة: الفقراء. وقوله مليا، أي زمانا طويلا. وكان ذلك ثلاثة. أثر السفر، أي شعث السفر. ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، أي علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، لأن الله استأثر بعلمها. أماراتها هي العلامات الدالة على اقترابها. رعاء، جمع راع. الشاء، جمع شاة. يتطاولون في البنيان، أي يتفاخرون بارتفاع المباني. من فوائد الحديث: فضل مجالسة العلماء وتدارس الكتاب والسنة، وأن الدين لا يقوم إلا بالتعليم والتعلم. يستحب للعالم وطالب العلم أن يكون حسن الهيئة وقت الدرس. يستحب الاستئذان للدنو من العالم. بيان جلسة المتعلم بين يدي المعلم، وتكون كهيئة التشهد، وهي حال تدل على توقير طالب العلم لشيخه، وتحفزه للاستماع والفهم والحوار. نادى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، مع أن الله تعالى قال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، زيادة في إخفاء أمره، أو أن الملائكة ليسوا داخلين في مفهوم الآية. فسر صلى الله عليه وسلم الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، حيث ذكر أركانه. وأما الإيمان فقد فسره صلى الله عليه وسلم بالاعتقادات الباطنة، وفسر الرسول صلى الله عليه وسلم الإحسان بإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال وسيئاتها وشرور النفس وشهواتها، حيث يستحضر العبد قرب مولاه منه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. في محاورة جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم توجيه تربوي في طريقة الحوار في التعليم. إذا سئل العالم عن شيء لا يعلمه، فعليه أن يقول: لا أدري أو لا أعلم، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، واعلم أن ذلك لا ينقصه، بل هو من ورعه ودينه، لأن فوق كل ذي علم عليم. تحديد يوم الساعة لم يطلع عليه الله تعالى أحدا من خلقه لحكم عظيمة، منها أن يبقى العبد دائما الاستعداد، وهذا يفضي إلى إحسان العمل والتزود بالصالحات. للساعة أمارات كثيرة، منها أن تلد الأمة ربتها، وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري ويكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده منها بمنزلته. ومن علامات الساعة أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وهذا إشارة إلى فساد نظام الدين والدنيا. أما فساد الدين، فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرًا عائلًا، فإنه يستأثر بحقوق العباد ويحرمهم ما لهم. وأما فساد الدنيا، فإنه إذا كان ملوك الناس على هذه الحال، انعكست سائر الأحوال، فصدق الكاذب وكذب الصادق، وائتمن الخائن وخون الأمين، وتكلم الجاهل وسكت العالم، أو عدم بالكلية، ونطق الرويبضة في أمر العامة. ذم التباهي والتفاخر، وبخاصة في البنيان، لأن ذلك يدل على الترف والإسراف، وأمة هذا ديدنها حقيقة بالاستبدال. حسن أدب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم برد العلم إلى الله وإليه في حياته. يستحسن للمعلم إذا سمع جوابًا صحيحًا من المتعلم أن يؤكد صحة ذلك بقوله: أصبت أو أحسنت، كما فعل جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: صدقت. يستحب لمن علم أمرًا من أمور الدين، وكان في قوم يجهلونه، أن يسأل عالمًا ليستمع القوم إلى جوابه فيتعلموا منه. ينبغي على المعلم أن يزيل اللبس والاستغراب الذي يكتنف عملية التعليم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمر رضي الله عنه عندما أزال تعجبه. مخبراً إياه أن السائل جبريل عليه السلام جاء يعلم المسلمين أمر دينهم. عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. رواه الترمذي. اتق الله، اجعل بينك وبين عقابه وسخطه وغضبه وقاية، حيثما كنت، أي في أي مكان كنت، في السر والعلن، في خلوتك وجلوتك. أتبع، أي ألحق. خالق الناس، أي عاملهم وخالطهم. من فوائد الحديث: استحباب وصية المسلم لأخيه، وتذكيره بما يجب عليه نحو ربه ونفسه وإخوانه المسلمين. ينبغي للعبد أن يراقب مولاه في جميع أحواله وأوقاته. الحسنة تمحو السيئة، وهذا في غير المعاصي المتعلقة بحقوق الناس. من حسن الخلق طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف، ومعاملة الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك. هذا الحديث وصية عظيمة من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. رواه الترمذي. وفي غير رواية الترمذي: احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. الغلام هو الصبي من حين يفطم إلى البلوغ. احفظ الله، أي احفظ دينه بملازمة تقواه واجتناب ما لا يرضاه. يحفظك، أي يرعاك ويحميك ويقويك وينصرك. تجده تجاهك، أي معك في كل أحوالك، يحوطك وينصرك ويحفظك. وهذه المعية الخاصة للعبد. استعنت، أي طلبت الإعانة. رفعت الأقلام وجفت الصحف، أي تركت الكتابة بها لفراغ الأمر منذ أمد بعيد، فقد تقدمت كتابة المقادير كلها. الرخاء، أي النعمة. الفرج، أي الخروج من الغم والكرب. من فوائد الحديث: جواز الإرداف على الدابة. استحباب تعليم الناس العلم النافع بالكلام المختصر المفيد الجامع. الحرص على ناشئة المسلمين، لأن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر. على العالم أن يستثير انتباه طالب العلم ويرغبه في ذلك بملاطفته أو تنبيهه على أهميته. الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله حفظه. قال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان. وحفظ العبد لدين الله على مرتبتين: الأولى حفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، كحفظ الصلوات وحفظ الإيمان. الثانية حفظ جوارح الإنسان، كالبصر والسمع والبطن واللسان. وحفظ الله للعبد يدخل فيه نوعان: أحدهما حفظه في مصالحه، كحفظه في دنياه وبدنه وولده وأهله وماله. والثاني حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه. فيحفظه من الشبهات المضلة والشهوات المحرقة. ينبغي على العبد أن يقف عند حدود الله، فلا يتعداها، ويعظمها، ويستسلم لأمر ربه ظاهراً وباطناً. تحريم سؤال غير الله تعالى مما لا يقدر عليه إلا هو، كالرزق والشفاء والمغفرة والنصر وغيرها. أما ما جرت عليه عادة الناس أن يتعاونوا فيه مما يقدرون عليه، فلا مانع من سؤالهم، كالاستعارة والاستقراض والاسترشاد وغير ذلك. ما في علم الله تعالى، أو ما أثبته سبحانه في أم الكتاب، ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا ينسخ، وما وقع وما سيقع كله بعلمه تعالى. من لطائف اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر، أن الكرب إذا اشتد وتناهى، أيس العبد من جميع المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم ما تطلب به الحوائج، ومن توكل على ربه كفاه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. عجز الخلائق كلهم وافتقارهم إلى الله. يجب على العبد أن يرضي الله ولو أسخط الناس، فمن فعل ذلك كفاه الله مؤنة الناس. لا يستطيع العبد أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع ضراً إلا بإذن الله. مكر الماكرين وإن كثروا لا يحيق إلا بأهله ما لم يقدر الله البلاء للعبد. الإيمان بالقدر حق واجب على العبد. رياض الصالحين.