الحلقة (014) باب التقوى
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب التقوى. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، وقال تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم، وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة. وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. وقال تعالى: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية. خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، متفق عليه. فقهوا أي علموا أحكام الشرع. أكرم اسم تفضيل من الكرم، وأصله كثرة الخير، وهو ضد اللؤم. يوسف نبي الله ابن نبي الله، وهو يعقوب عليه السلام، ابن نبي الله، وهو إسحاق عليه السلام، ابن خليل الله، وهو إبراهيم عليه السلام. معادن جمع معدن، وهو منبت الجواهر من ذهب ونحوه، وأصل كل شيء، والمراد هنا قبائل العرب. من فوائد الحديث: بيّن الحديث أقسام الناس وشرف انتسابهم وأنسابهم، وأن من الأنساب شريف ومنها دون ذلك. شرف النسب يعتبر إذا انضم إليه التقوى والخوف من الله، وإلا فلا. أن الإنسان يكرم ويشرف بتقوى الله عز وجل، وأن من كان تقياً كان كثير الخير في الدنيا رفيع الدرجة في الآخرة. يشرف الإنسان بشرف آبائه وعشيرته إذا كانوا أتقياء، وكان هو على شاكلتهم وطريقتهم. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، أي أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية هم كذلك في الإسلام إذا آمنوا واتقوا، لأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق. والعبد يسلم على ما أسلف من خير، وإذا انضم شرف التقوى إلى شرف النسب كان خيرًا على خير، وفضلًا على فضل. بيان فضيلة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، فقد جمع مكارم الأخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب، وانضم إليه شرف العلم بتعبير الرؤيا، وتمكنه من سياسة التدبير. بيان فضل العلم، وأنه أفضل من النسب والحسب والجاه والمال. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. رواه مسلم. حلوة خضرة: تشبه في الميل إليها الفاكهة الحلوة في مذاقها، الخضرة في لونها. مستخلفكم: أي جاعلكم خلفًا يخلف بعضكم بعضًا. اتقوا الدنيا: أي احذروا الاغترار بها. اتقوا النساء: أي احذروا الافتتان بهن. في النساء: أي بسببهن. من فوائد الحديث: ينبغي الزهد في الدنيا، وعدم الجري وراء حطامها، أو التعلق بأوهامها. فَإِنَّهَا تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى الْعِبَادِ بِحَلَاوَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَزِينَتِهَا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِهَا أَهْلَكَتْهُ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ أَلَّا يَنْسَى نَصِيبَهُ مِنْهَا. جَعَلَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ خَلَائِفَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، لِأَنَّهَا دَارُ ابْتِلَاءٍ لَا دَارُ بَقَاءٍ، وَدَارُ مَمَرٍّ إِلَى الْمُسْتَقَرِّ. الْحَذَرُ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالنِّسَاءِ، وَذَلِكَ بِتَرْكِ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُثِيرُ كَامِنَ الشَّهْوَةِ، كَالِاخْتِلَاطِ بِهِنَّ، وَالنَّظَرِ إِلَى مَوَاضِعِ الْفِتْنَةِ مِنْهُنَّ إِذَا كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ، وَأَلَّا يَشْغَلَ التَّمَتُّعُ بِهِنَّ عَنِ الْوَاجِبَاتِ إِذَا كُنَّ حَلَائِلَ. الِاتِّعَاظُ وَأَخْذُ الْعِبْرَةِ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ مَا حَصَلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ إِذَا تَعَاطَوْا أَسْبَابَهُ. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْهُدَى: أَيْ الدَّلَالَةُ وَالرَّشَادُ. الْعَفَافُ: أَيْ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ وَالْكَفُّ عَنْهُ. الْغِنَى: أَيْ غِنَى النَّفْسِ وَالِاغْتِنَاءُ عَنِ النَّاسِ وَعَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْخُضُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. حاجة النفس إلى مكارم الأخلاق لتستقيم على أمر الله، ولتخاف عقابه وترجو رحمته. ينبغي للمرء ألا يركن إلى عمله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله هذه الصفات، وهو أعلم الناس بها وأكثرهم اتصافًا بها. عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى. رواه مسلم. حلف أي أقسم بالله، أتقى لله أي أرضى له وأبعد عن معصيته. من فوائد الحديث: جواز الحلف بالله، من حلف بالله وجب عليه إبرار قسمه وعدم الحنث فيها. إذا كانت اليمين تمنع من طاعة أو تفوت خيرًا كثيرًا أو توقع في معصية، فعلى العبد أن يكفر عن يمينه ويفعل ما أمره الله به ويجتنب معصيته. وجوب التزام التقوى في العسر واليسر والمنشط والمكره. من عزم على فعل معصية فلا يفعلها، وإن كان قد أقسم على فعلها فإنه يحنث ويكفر عن يمينه ولا يأتي بالمعصية. عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم. رواه الترمذي. حجة الوداع هي آخر حجة حجها النبي صلى الله عليه وسلم، وسميت بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها. صلوا خمسكم، أي أدوا الصلوات الخمس المفروضة. صوموا شهركم، أي صوموا شهر رمضان. أطيعوا أمراءكم، أي أطيعوا أولي الأمر منكم. من فوائد الحديث: وجوب التزام أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج، أن التزام هذه الأعمال من تقوى الله عز وجل، وأن تقوى الله تعالى طريق الجنة وشرط دخولها، والاستقامة في الدنيا سبب النجاة في الآخرة، وجوب طاعة الولاة والحكام، وشرط طاعتهم ألا يأمروا بما فيه معصية الله عز وجل. رياض الصالحين.