الحلقة (015) باب اليقين والتوكل (015)

رياض الصالحين · المقطع 15 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب اليقين والتوكل. قال الله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. وقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. وقال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وقال تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، أي كافيه. وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة. متفق عليه. الرهيط: تصغير رهط، وهم دون عشرة أنفس. والأفق: الناحية والجانب. رُفع لي سواد عظيم، أي عُرض عليَّ أشخاص كثيرون. خاضوا، أي تكلم. لا يرقون، أي لا يقرؤون شيئًا يتعوذون به من شر ما وقع أو يتوقع. لا يسترقون، أي لا يطلبون الرقية من غيرهم. لا يتطيرون، أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها. من فوائد الحديث: فضل منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث عُرضت عليه الأمم ورآها. بيان فضل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أمته أكثر الأمم. الحق لا يُعرف بالكثرة وعدد الأصابع المرفوعة، إذ أن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجلان، ويأتي النبي ومعه الرجل الواحد، ويأتي النبي وحده، ومنه يتبين أن صدق الداعية لا يُعرف بكثرة أتباعه أو أشياعه. إكرام الله لهذه الأمة، وأنها أمة مرحومة، حيث يدخل منهم سبعون ألفًا الجنة بغير حساب. بيان فضيلة وأفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضيلة من وُلد في الإسلام ولم يتلطخ بشيء من أعمال الجاهلية. من طرق التعليم إثارة مسألة، وترك طلاب العلم يتباحثون فيها، ثم توجيههم إلى الحق. جواز سؤال العالم أصحابه وتلاميذه عن حديثهم لينفعهم ويزيل الخلاف بينهم، وإن لم يكلموه في الأمر. فضل التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه في دفع ضر أو جلب نفع، وما أعد الله تعالى للمتوكلين من أجر وثواب. الرقية منها مشروع، وهو ما كان بالقرآن الكريم، وما كان بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها غير مشروع، وهي ما كان من أعمال الجاهلية والضلالات والشعوذة التي تنافي صحة الإيمان وكمال التوكل. تحريم التشاؤم والتطير. اغتنام الفرصة لقطف ثمرة الخير، كما فعل عكاشة رضي الله عنه عندما طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله أن يكون منهم. فضيلة عكاشة بن محصن، وأنه من أهل الجنة، ومنه يتبين أن المشهود لهم بالجنة ليس العشرة فحسب، بل يزيدون، وإنما خُص العشرة بذلك لأنهم وردوا في حديث واحد. عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون. متفق عليه. أسلمت، أي استسلمت لأمرك وحكمك. توكلت، أي اعتمدت على تدبيرك في سائر الأمور. أنبت، أي رجعت إلى عبادتك والإقبال على ما يقرب منك. بك خاصمت، أي حاججت أعداء الله من أجلك. من فوائد الحديث: وجوب التوكل على الله تعالى وحده؛ لأنه متصف بصفات الكمال، فهو وحده الذي يعتمد عليه. كل ما سوى الله هالك، ولذلك فهو ليس أهلاً للاعتماد عليه. استحباب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمات الجامعة المانعة التي تعبر عن صدق الإيمان وغاية اليقين. عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. رواه البخاري. وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. من فوائد الحديث: فضل التوكل على الله عز وجل وضرورته في المواقف المحرجة، ومن تمام ذلك قول: حسبنا الله ونعم الوكيل. التأسي بالأنبياء والمقربين إلى الله تعالى بالدعاء والتوكل على الله تعالى؛ لأنهم أشد الناس بلاءً. التوكل على الله منهج لجميع الأنبياء. أعداء الرسل يحاولون إلحاق الأذى بهم وبأتباعهم. صراع الحق مع الباطل وأهله قديم. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير. رواه مسلم. قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. من فوائد الحديث: التوكل على الله تعالى ورقة القلب من أسباب دخول الجنة والفوز بنعيمها. المؤمن المتوكل على الله تعالى لا يحمل في قلبه همَّ معيشته ورزقه، فهو كالطير الذي يسعى لقوت يومه. عن جابر رضي الله عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، فعلق بها سيفه ونمنا نوماً، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً. قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثاً، ولم يعاقبه وجلس. متفق عليه. وفي رواية قال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه، قال: من يمنعك مني؟ قال: الله. قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكنني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس. قوله: قفل، أي رجع. والعِضاه: الشجر الذي له شوك. والسَّمُرَة: الشجرة من الطلح، وهي العِظام من شجر العِضاه. واخترط السيف، أي سلَّه وهو في يده. صلتا، أي مسلولًا. القائلة: وقت القيلولة، وهي النوم في الظهيرة. ذات الرقاع: هي غزوة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأنهم كانوا يلفون على أقدامهم الخرق. كن خير آخذ، أي بأن تعفو وتصفح، وتقابل السيئة بالحسنة. خلى سبيله. أي منع عليه وأطلقه. من فوائد الحديث: شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وثبات قلبه أمام المخاطر، وثقته بالله تعالى، وصدق توكله عليه، وحسن الالتجاء إليه، وصبره على الأذى، حب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه للجهاد في سبيل الله، جواز تفرق العسكر في النزول وعند النوم ما لم يخافوا من أمر، أثر التوكل على الله تعالى في الخلاص من الشدائد، حماية الله جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، جواز إخبار الأصحاب بما يحدث معه، وأن ذلك لا يعد من الرياء، جواز تعليق السلاح إذا أُمن عليه، عفو النبي صلى الله عليه وسلم وكرم خلقه، وعدم انتقامه لنفسه، وبعد نظره في الأمور، وحسن معالجته للنفوس لجلبها إلى الحق. رياض الصالحين.