الحلقة (017) باب الاستقامة، وباب المبادرة إلى الخيرات وحث الناس عليها (017)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الاستقامة. قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. عن أبي عمرو، وقيل أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب السؤال عن أمر يجمع خصال الخير. ينبغي على من جهل أمرًا أن يسأل عنه أهل الذكر. الإيمان قول وعمل. الاستقامة درجة عالية تدل على كمال الإيمان وعلو الهمة. الاستقامة هي التزام منهج الإسلام. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تقوم على الأمر والنهي، ولا تروغ عنه روغان الثعلب. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. رواه مسلم. والمقاربة: القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير. والسداد: الاستقامة والإصابة. ويتغمدني: يلبسني ويسترني. قال العلماء: معنى الاستقامة لزوم طاعة الله تعالى. قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور، وبالله التوفيق. من فوائد الحديث: فضل الله ورحمته على عباده أوسع من أعمالهم. الإرشاد إلى كيفية تحصيل الخير، وذلك بالاستقامة على منهج الله دون غلو فيه ولا تقصير. لا ينبغي للعبد أن يغتر بعمله، فيعيش على الرجاء دون الخوف. فتدخل نفسه في مواقع الهلكة من العجب. أعمال العباد لا تدخلهم الجنة، وإنما يتفضل الله عليهم بدخولها، وتكون مراتبهم فيها حسب أعمالهم. على المؤمن أن يعمل، وأن يقرن مع العمل الدعاء لنيل رحمة الله وتوفيقه لدخول الجنة. باب التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى، وفناء الدنيا وأهوال الآخرة، وسائر أمورهما، وتقصير النفس وتهذيبها، وحملها على الاستقامة. قال الله تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا. وقال تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك. الآيات. وقال تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر. وقال تعالى. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا، الآية. والآيات في الباب كثيرة، ومن الأحاديث الحديث السابق: الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وقد ورد في باب المراقبة. من فوائد الآيات: أن التفكير باعث على الإيمان، والإيمان باعث على استقامة السلوك. الإسلام دين الله المنسجم مع الفطرة البشرية والعقل السليم، ولذا فهو يدعو إلى النظر والتأمل في عظيم مخلوقات الله تعالى. معرفة الخالق معرفة صحيحة تكون بعمق التفكير والنظر الحصيف، وهذا يؤدي بصاحبه إلى الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع. وأما المقلد فهو عرضة للتقلب مع الأهواء، ولذلك كان الكيِّس، أي العاقل، الذي يحاسب نفسه في كل صغيرة وكبيرة، والعاجز من أتبع نفسه هواها. باب المبادرة إلى الخيرات، وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد. قال الله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمالِ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا. رواه مسلم. بادروا، أي سارعوا إليها قبل ظهور المعوقات. قطع الليل المظلم، أي طائفة من الليل البهيم، فكلما ذهبت ساعة منه مظلمة عقبتها أختها. عرب، أي حطام زائل من الدنيا. من فوائد الحديث: وجوب التمسك بالدين، والمبادرة إلى العمل الصالح قبل أن تحول الموانع والعوائق دونه. تتابع الفتن المضللة آخر الزمان، وكلما انقضت فتنة أعقبتها فتنة أخرى. إذا لاحت للعبد فرصة خير، فالحزم كل الحزم أن يبتدرها؛ لأن آفة الحزم التسويف الذي يثمر الفوت. إذا ابتغى العبد بآيات الله ثمنًا قليلًا رق دينه وضعف يقينه، فأكثر التنقل والتقلب. نعوذ بالله من خاتمة السوء. عن أبي سروعة عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر. فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ. التِّبْرُ: قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. فَتَخَطَّى: أَيْ قَطَعَ الصُّفُوفَ. حُجَر: أَيْ الْمَنَازِل. فَفَزِعَ: أَيْ خَافَ. يَحْبِسُنِي: أَيْ يَشْغَلُنِي التَّفْكِيرُ فِيهِ عَنِ التَّوَجُّهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ قِيَامِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ دُونَ أَنْ يُسَبِّحَ إِذَا أَتَاهُ مَا يَشْغَلُهُ. انْشِغَالُ الْفِكْرِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَلَكِنْ يُخْشَى أَنْ يَذْهَبَ الْخُشُوعُ. صَاحِبُ الْحَاجَةِ يَجُوزُ لَهُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ. جَوَازُ التَّعَجُّبِ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلًا لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ. مَنْ رَأَى نَكَارَةً فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ يَنْبَغِي عَلَيْهِ تَوْضِيحُ ذَلِكَ وَدَفْعُ الشُّبُهَاتِ. الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ لَا يُنَافِي الْوَقَارَ. اسْتِحْبَابُ التَّخَلُّصِ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. واستحباب المبادرة إلى عمل الخير، جواز الاستنابة والتوكيل في صرف الصدقات مع القدرة على المباشرة، التجرد من مشاغل الدنيا حال العبادة لتصفو نفسه فيها. عن جابر رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه. من فوائد الحديث: المسارعة بفعل الخيرات وعدم الانشغال بالشهوات، استحباب أن يسأل الإنسان عما لا يعلم، شدة شوق الصحابة رضي الله عنهم للجنة وحرصهم على دخولها، زهد الصحابة في الدنيا وتطلعهم للشهادة في سبيل الله، من مات شهيدًا في سبيل الله فهو من أهل الجنة ما لم يحبسه الدين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم. قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان. متفق عليه. الحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب. الشح: أي البخل مع شدة الحرص. تخشى: أي تخاف. تأمل: أي تطمع. بلغت الحلقوم: أي قاربت الروح بلوغ الحلقوم. قلت لفلان كذا: المراد الإقرار بالحقوق أو الوصية أو الميراث، وقد كان لفلان: أي قد صار له ذلك. من فوائد الحديث: صدقة الصحة أفضل من صدقة المرض؛ لأن الشح غالب على الإنسان في حال الصحة، لما يخوفه به الشيطان من الفقر، ويزين له من طول العمر وحاجته إلى المال. الترغيب في المسارعة إلى الخيرات وأداء الصدقات قبل نزول بوادر الموت بالإنسان. رياض الصالحين.