الحلقة (019) باب المجاهدة 1

رياض الصالحين · المقطع 19 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب المجاهدة. قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين. وقال تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. وقال تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا، أي انقطع إليه. وقال سبحانه وتعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. وقال تعالى: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا. وقال تعالى: وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. رواه البخاري. آذنته: أعلمته بأني محارب له. عادى لي وليًّا، أي اتخذه عدوًّا أو غرضًا. الولي هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته، يتقرب، أي يطلب القرب. النوافل هي الطاعات الزائدة على الفرائض، يبطش بها، أي يضرب بها. من فوائد الحديث: خطورة معاداة أولياء الله تعالى، إما بكراهيتهم أو إيذائهم. أداء الفرائض مقدم على فعل النوافل. من أسباب محبة الله لعبده تقرب العبد إلى الله بالنوافل، كقيام الليل، والسنن الرواتب، وقراءة القرآن. التقرب إلى الله تعالى بالمحافظة على الفرائض، والتطوع بالنوافل سبب لاستجابة الله لدعاء العبد وحفظه ورعايته. إذا صدق العبد ربه في عبادته حتى صار في موضع الولاية منه، كان حقًّا على الله أن يجيب دعاءه، إن كان ذلك خيرًا له، أو يعوضه خيرًا منه في الدنيا أو الآخرة. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: إذا تقرب العبد إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. رواه البخاري. إذا تقرب العبد إليَّ شبراً، أي من أتى شيئاً من الطاعات ولو قليلاً قابلته عليه بأضعاف من الإكرام، وكلما زاد في الطاعة زدته في الثواب. ذراعاً، أي الساعد إلى المرفق. الباع هو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن. الهرولة نوع من العدو فيه مسارعة الخطى. من فوائد الحديث: الدلالة على كرم أكرم الأكرمين، حيث يعطي الجزيل في مقابلة القليل. إثبات صفة المجيء والإتيان، ونحن نؤمن بها دون تكييف أو تحريف أو تعطيل أو تمثيل، وهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. رواه البخاري. مغبون. الغبن هو الشراء بأضعاف الثمن، أو البيع بأقل من ثمن المثل. من فوائد الحديث: المكلف تاجر، والصحة والفراغ رأس ماله، فمن أحسن استخدام رأس ماله نال الربح، ومن ضيعه خسر وندم، فهو مغبون. ينبغي الاستفادة من الصحة والفراغ للتقرب إلى الله تعالى وفعل الخيرات قبل فواتهما، لأنه يعقب الفراغ الشغل، والصحة يعقبها السقم. الإسلام حريص على الوقت؛ لأنه الحياة، وعلى سلامة الأبدان؛ لأنها تعين على كمال الدين. الدنيا مزرعة الآخرة، فينبغي التزود بالتقوى، واستغلال نعمة الله في طاعته. شكر نعم الله يكون باستخدامها في طاعة الله. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً. متفق عليه. تتفطر أي تتشقق. شكوراً أي كثير الشكر، معترفاً بالنعم قولاً وعملاً. من فوائد الحديث. كثرة اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبادة الله. من أنعم الله عليه بنعمة وخصه بفضيلة يجب عليه شكرها. يجب أن تكون النعمة سببًا لزيادة الشكر. قال ابن أبي جمرة: يجب ألا يخطر ببالنا أن الذنوب التي أخبر الله تعالى أنه بفضله غفرها للنبي صلى الله عليه وسلم من قبيل ما نقع نحن فيه، معاذ الله. إنما ذلك من قبيل توفية ما يجب للربوبية من الإعظام والإكبار والشكر، ووضع البشرية، وإن رفع قدرها حيث رفع، فإنها تعجز عن ذلك بوصفها؛ لأنها من جملة المحدثات، وكثرة النعم على الذي رفع قدره أكثر من غيره تضاعف الحقوق عليه، فحصل العجز، فالغفران لذلك. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. متفق عليه. والمراد العشر الأواخر من شهر رمضان. المئزر: الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء. وقيل: المراد تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت وتفرغت له. من فوائد الحديث: من الحزم اغتنام الأوقات الفاضلة بالأعمال الصالحة. يستحب إحياء الليل في رمضان، ولا سيما العشر الأواخر منه، فلها فضيلة خاصة. من أراد الاجتهاد في العبادة، فعليه صون نفسه عما يثبطه أو يضعفه أو يصرفه عنها. أفضل صلاة العبد بعد الفريضة ما كان في الليل، وبخاصة آخره. الحكيم من جعل الخير يعم أهله. ينبغي على العبد أن يكون حريصًا على أهله، يأمرهم بالعبادة ويصطبر عليها، ويقيهم نار جهنم بذلك. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. رواه مسلم. القوي: أي في دينه وبدنه ونفسه وعقله، الذي يصلح لحمل الدين والدعوة إليه والذب عنه، والضعيف عكسه، وفي كل خير. لا تعجز، أي لا تفرط في طلب ما ينفعك. تفتح عمل الشيطان، أي وساوسه المفضية إلى الخسران. من فوائد الحديث: تفاضل أهل الإيمان في إيمانهم وإن اشتركوا في أصله. الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ينبغي على المؤمن أن يجاهد نفسه ليبلغ درجة المؤمنين الأقوياء الكمل. الحث على جمع القوة الإيمانية مع القوة البدنية. إن القوة والضعف إنما هو بالنسبة لمجاهدة النفس والمحافظة على الطاعة، وفعل ما ينفع الناس ودفع الشر عنهم. يجب على الإنسان أن يحرص على ما فيه نفعه، وبخاصة ما يتعلق بإيمانه. إرشاد إلى الدواء عند وقوع المقدور، وذلك بالتسليم لأمر الله، والرضا بقضائه وقدره، والإعراض عن الالتفات لما مضى، فإن ذلك يؤول إلى الخسران، وذلك بقول: قدر الله وما شاء فعل. الندم على ما فات لا يعيده، وعلى الإنسان أن يجتهد في تعويضه بالرضا بما قدر الله، والازدياد في الطاعات القادمة. الندم على ما فات من أحابيل الشيطان، يفسد بها قلب الإنسان، فيحزنه ويقنطه من رحمة الله. الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن ما أراده الله كان، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حُجِبَتِ النار بالشهوات، وحُجِبَتِ الجنة بالمكاره. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: حُفَّت بدل حُجِبَت، وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها. الشهوات: أي ما يُستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه، ويلتحق بذلك الشبهات. المكاره: أي ما أُمِر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلاً وتركاً، كالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها، واجتناب المنهيات قولاً وفعلاً. من فوائد الحديث: سبب الوقوع في الشهوات هو تزيين الشيطان المنكر والقبيح حتى تراه النفس حسناً فتميل إليه. قد تكره النفس أشياء وفيها خير كثير، كما قال تعالى: كُتِبَ عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. لا بد من مجاهدة النفس، وفطامها عن شهواتها ومألوفاتها. النار والجنة موجودتان مخلوقتان. رياض الصالحين.