الحلقة (024) باب في بيان كثرة طرق الخير (024)

رياض الصالحين · المقطع 24 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب بيان كثرة طرق الخير. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني. فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر. متفق عليه. وفي رواية للبخاري: فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة. وفي رواية لهما: بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقت، فغفر لها به. الموق: الخف، ويطيف: أي يدور حول ركية وهي البئر. يلهث، أي يرتفع نفسه بين أضلاعه وينخفض، فيخرج لسانه من فمه. الثرى، أي التراب الندي. رقى، أي صعد. فشكر الله له، أي قبل عمله ذلك وأثنى عليه. في كل كبد رطبة أجر، أي في إرواء كل حي ثواب. بغي، أي زانية. غفر لها به، أي غفر لها بسببه. من فوائد الحديث: الحث على الإحسان إلى الحيوان الذي لم نؤمر بقتله. فضل سقي الماء. سعة رحمة الله تعالى حتى شملت الحيوان البهيم؛ لأنه من مخلوقاته. سعة فضله سبحانه، فقد يغفر الذنوب الكبيرة بعمل الخير اليسير. لا ينبغي احتقار شيء من أعمال البر؛ لأنها قد تكون سببًا في غفران الذنوب. الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد ويجازيهم عليها. فضل الإخلاص لله، فهذه أعمال لم تشبها آفة الرياء؛ لأنهم عملوها ولم يرهم أحد إلا الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين. رواه مسلم. وفي رواية: مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة. وفي رواية لهما: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له. يتقلب: أي يتحول فيها من مكان لآخر، يتنعم بملاذها. في شجرة: أي بسبب شجرة. ظهر الطريق: أي عن الطريق أو ما ظهر منه. لأنحين: أي لأزيلن. من فوائد الحديث: الحث على إزالة ما يؤذي المسلمين أثناء مرورهم على الطريق، وفعل كل ما ينفع المسلمين وما يبعد عنهم الضرر. الإسلام دين النظافة وحماية البيئة والسلامة العامة. حرص الإسلام على نظافة المرافق العامة والعناية بها. هذا ثواب من يبعد ما يؤذي الناس في طريق سيرهم، فكيف بمن يرفع عنهم الجهل ويوضح لهم طريق سيرهم إلى الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا. رواه مسلم. أحسن الوضوء، أي توضأ كما أُمِر. أتى الجمعة، أي أتى المسجد ليصلي صلاة الجمعة. لغا، اللغو هو الكلام الباطل الذي لا فائدة فيه. من فوائد الحديث: الحث على تحسين الوضوء وإتمامه كما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. المحافظة على صلاة الجمعة، وهي واجبة على كل مسلم ولا تصح إلا جماعة. صلاة الجمعة تكفر ذنوب عشرة أيام؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وشرط ذلك الإنصات والاستماع وعدم اللغو. وجوب الإنصات لخطبة الجمعة وعدم التشاغل عنها بشيء من الكلام وغيره. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء. حتى يخرج نقيًّا من الذنوب. رواه مسلم. من فوائد الحديث: فضل الوضوء، وأن المواظبة عليه وسيلة لمغفرة الذنوب. كل عضو من أعضاء الإنسان يقع في بعض المعاصي، فالعين بالنظر، واليد بالبطش والسرقة ونحو ذلك، ولذلك فالذنوب تتبع كل جارحة اكتسبتها، وتخرج من كل جارحة تابت منها. يُفهم من هذا الحديث حصول فائدتين من الوضوء: طهارة الجسم من الأدران، وطهارة النفس من الآثام. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان فضيلة الجمعة ورمضان، وأداء الصلوات كل يوم. أداء الصلوات الخمس كل يوم، والقيام بالجمعة ورمضان على خير وجه، يكون سببًا لأن يغفر الله عز وجل بفضله ورحمته ما وقع بينهما من الذنوب الصغائر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات. قالوا بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط. رواه مسلم. إسباغ الوضوء: أي الإتيان به كاملاً وتاماً. المكاره: جمع مكرهة، وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه. الرباط: أي ملازمة ثغور العدو وحراستها لحفظ حوزة المسلمين. من فوائد الحديث: استحباب إرشاد الناس للخير وأعمال البر التي تقربهم إلى الله تعالى. الحض على الخير ولو لم يسأل الناس عنه، أسلوب تربوي نبوي في التربية والتعليم. الحث على استيعاب أعضاء الوضوء بالغسل والمسح وتحسينه، ولو كان في ذلك شدة ومشقة. المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد. العبادة جهاد وإعداد للجهاد لما فيها من صبر وجلد وتحمل، وكبح للنفس عن شهواتها وغيها. هذه الأمور وسيلة للمغفرة، فهي تمحو الخطايا وترفع الدرجات. فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه، فكلما بعدت الدار كثرت الخطى وازداد الأجر. الذي لا يستطيع انتظار الصلاة. وحبس نفسه فترة في بيوت الله، لا يستطيع المرابطة على الثغور لحماية بلاد المسلمين ودفع عدوان الكافرين. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى البردين دخل الجنة. متفق عليه. البردان: الصبح والعصر. من فوائد الحديث: فضل المحافظة على صلاتي الفجر والعصر. عدم الاشتغال بالنوم وأعمال الدنيا من أداء الفرائض في وقتها، فصلاة الصبح تكون عند لذة النوم، وصلاة العصر تكون عند الاشتغال بإنهاء أعمال النهار. لا ينحصر دخول الجنة بأدائهاتين الفريضتين فقط، بل لا بد من الاهتمام بجميع الفرائض، وإنما خصتا بالذكر بسبب إهمال بعض الناس لهما. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً. رواه البخاري. من فوائد الحديث: سعة رحمة الله تعالى ولطفه بعباده. من عجز عن أداء ما اعتاد عليه من الأعمال الصالحة بعذر شرعي من سفر أو مرض، مع قيام النية الجازمة على فعله في حالة القدرة. كتب الله له أجره كما لو كان مقيماً صحيحاً. هذا الفضل خاص بأعمال التطوع، أما الواجبات فلا بد من أدائها في الحضر والسفر على حسب الاستطاعة. عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة. رواه البخاري ومسلم. من فوائد الحديث: الحض على فعل المعروف بأنواعه المشروعة، كل ما يفعله المؤمن من أعمال البر والخير له ثواب وأجر. عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة. رواه مسلم. وفي رواية له: فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. وفي رواية له: لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة. ورواياه جميعاً من رواية أنس رضي الله عنه. قوله يرزأه، أي ينقصه. من فوائد الحديث: الفرق بين الغرس والزرع، أن الغرس للأشجار، والزرع لغيرها من النبات. الحث على الغرس والزراعة، وفضل عمارة الأرض، وأنها من الأعمال التي لا ينقطع فيها الثواب بموت فاعلها. السعي في تحصيل النفع لمخلوقات الله تعالى، وتيسير أمورهم وقضاء حوائجهم. يثاب المسلم على ما سرق من ماله، أو ما غصب منه، أو أتلف منه، إذا صبر واحتسب ذلك عند الله تعالى. رياض الصالحين.