الحلقة (025) باب في بيان كثرة طرق الخير (025)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب بيان كثرة طرق الخير. عن جابر رضي الله عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد. فقالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم. رواه مسلم. وفي رواية: إن بكل خطوة درجة. رواه مسلم. ورواه البخاري أيضًا بمعناه من رواية أنس رضي الله عنه. وبنو سلمة قبيلة معروفة من الأنصار رضي الله عنهم، وآثارهم خطاهم. دياركم، أي الزموا دياركم وابقوا فيها. آثاركم، أي خطاكم إلى المسجد لحضور الجمعة والجماعات. من فوائد الحديث أن الأجر على قدر ما يبذله المكلف من جهد يحتاج إليه العمل. الحث على صلاة الجماعة في المسجد ولو كان يسكن بعيدًا عنه. ينبغي عدم التضييق على المسلمين في مرافقهم العامة، فلو انتقل بنو سلمة قرب المسجد وتابعهم غيرهم، لضيقوا على المسلمين في مسجدهم. عن أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله. رواه مسلم. وفي رواية: إن لك ما احتسبت. الرمضاء: الأرض التي أصابها الحر الشديد. لا تخطئه صلاة، أي لا تفوته صلاة جماعة في المسجد. الظلماء، أي الليلة الشديدة الظلمة. من فوائد الحديث: شدة حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير، والازدياد منه وكسب الأجر. تواصي المسلمين بالخير والتناصح بالبر. فمن رأى أن أخاه تلحقه مشقة فليقدم له النصح في إزالتها. الذهاب إلى المسجد ولو بعد سيرًا على الأقدام أعظم أجرًا. إن الله تعالى يكتب ممشى العبد كله. أن الإنسان يؤجر على فعله حسب قصده ونيته. عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة. رواه البخاري. المنيحة أن يعطيه إياها ليأكل لبنها ثم يردها إليه. من فوائد الحديث: فضل الله تعالى ورحمته بتكثيره أعمال الخير وتنوعها ليعمل كل عبد باستطاعته. وجوب اقتران العمل بالإيمان والاحتساب. منيحة العنز هي أن يعطي أخاه عنزة ليشرب من لبنها ويستفيد منها ثم يردها إليه. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة. متفق عليه. وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. شق تمرة، أي نصف تمرة. ترجمان هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى. أشأم، أي الجانب الأيسر. من فوائد الحديث: الحث على الصدقات بقدر الإمكان، والتخلق بالخصال الحميدة، والمعاملة باللطف ولين الكلام، قرب الله تعالى من عبده يوم القيامة إذ ليس بينهما حجاب ولا واسطة ولا ترجمان، فليحذر المؤمن من مخالفة أمر ربه، مسؤولية الإنسان عن عمله، فليحرص على صلاح العمل، فإنه لا ينفعه شيء يوم القيامة إلا عمله الصالح بعد رحمة الله تعالى، ينبغي على المرء ألا يحتقر ما يتصدق به ولو كان يسيرًا، فإنه وقاية من النار، إثبات صفة الكلام لله تعالى يوم القيامة مع العباد بلا واسطة. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها. رواه مسلم. والأكلة هي الغدوة أو العشوة. من فوائد الحديث: الحث على شكر الله عز وجل على سعة فضله وكثير نعمه، وأن الشكر طريق النجاة والقبول؛ لأنه سبحانه وحده الذي يستحق الحمد على النعمة. إثبات صفة الرضا لله تبارك وتعالى. بيان بعض آداب الطعام والشراب، وهي الحمد في آخره. تناول المباحات إذا اقترنت بالنيات الصالحة كانت لصاحبها طاعات ينال لذتها في الدنيا وثوابها في الآخرة. عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على كل مسلم صدقة. قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيتَ إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة. متفق عليه. الملهوف هو المتحسر والمضطر، إن لم يفعل، أي وهو معذور غير قادر عليه. يمسك عن الشر، أي يمتنع عنه. من فوائد الحديث: الحث على العمل ليكتسب المسلم من عمله، ويسد حاجته من كسبه، ويتصدق بما زاد عن حاجته. شمول معنى الصدقة أنواعًا عديدة من البر وعمل الخير، حتى الامتناع عن الشر هو من الصدقة. رياض الصالحين.