الحلقة (026) باب في الاقتصاد في العبادة (026)

رياض الصالحين · المقطع 26 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الاقتصاد في الطاعة. قال الله تعالى: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. وقال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها. قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. متفق عليه. ومه كلمة نهي وزجر، ومعنى لا يمل الله أي لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم. الملال: استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته. تطيقون أي تستطيعون. من فوائد الحديث. جواز السؤال عمن دخل البيت من النساء أو الرجال. جواز ذكر الوصف أمام العالم ليصحح الخطأ ويثني على الصواب. استحباب الزجر عند رؤية المنكر. تغيير المنكر يكون عند العلم به مع القدرة على تغييره. لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الإكثار في العبادة فوق ما يطيق الجسد يؤدي إلى الملل والفتور فتترك النفس. الاعتدال والتوسط في أداء العبادة مدعاة لاستمرارها ولثبات الطاعة عليها. أحب الأعمال وأكثرها ثوابًا أدومها وإن قلت. توفية النفس حقها من المباحات فيه أجر وثواب إذا كان القصد التقوي على العمل الصالح وعبادة الله. القليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع. عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. متفق عليه. ثلاثة رهط، أي ثلاثة رجال، تقالوها، أي عدوها قليلة. رغب عن سنتي، أي أعرض عن طريقتي ومنهجي في العبادة. من فوائد الحديث: استحباب تتبع أحوال العلماء الربانيين للتأسي بهم. من عزم على عمل صالح واحتاج إلى إظهاره وأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعاً. اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الازدياد من العبادات والطاعات. استحباب تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم. استحباب النكاح والترغيب فيه. المباحات والمندوبات تنقلب إلى الحرمة إذا خرجت عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في التوسط والاعتدال حقيقة التقرب إلى الله تعالى. عدم الالتزام بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة يؤدي إلى الغلو والتنطع والدخول في كل محذور مذموم. الأصل في العبادات التوقيف، ولا يجوز الاجتهاد فيها بالرأي والاستحسان. لا ينبغي الاغترار ببعض الأعمال التي ظاهرها الخير لما يترتب عليها من مفاسد لمخالفتها الهدي النبوي الصحيح. هذا الحديث أصل في إبطال البدع ولو كان قصد أهلها حسناً. ورحم الله ابن عمر القائل: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً. رواه مسلم. المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد. من فوائد الحديث: الهلاك عاقبة المغالين في أقوالهم وأفعالهم. ذم التكلف والتشدق في الكلام. الشدة لا تأتي بخير. الإسلام دين التوسط والاعتدال في الأقوال والأفعال. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا. واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. رواه البخاري. وفي رواية له: سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة. القصد القصد تبلغوا. قوله: الدين هو مرفوع على ما لم يسم فاعله، وروي منصوبا، وروي لن يشاد الدين أحد. وقوله صلى الله عليه وسلم: إلا غلبه، أي غلبه الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه. والغدوة سير أول النهار، والروحة آخر النهار، والدلجة آخر الليل، وهذا استعارة وتمثيل. ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم. كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب، والله أعلم. سددوا، أي التزموا السداد، وهو التوسط في العمل من غير إفراط ولا تفريط. قاربوا، أي إذا لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا ما يقرب منه. القصد، منصوب على الإغراء. ومراده: التزم التوسط في الأمر من غير إفراط ولا تفريط. من فوائد الحديث: الإسلام دين اليسر ورفع الحرج، وهذا من خصائص الأمة المرحومة. كل متنطع في الدين ينقطع؛ لأن الإفراط يؤدي إلى الملل، والمبالغة في التطوع يعقبها الفتور أو إلى ترك الأفضل. تنبيه للمسافر على تحري أوقات النشاط، فإنه إذا مشى ليلاً ونهاراً عجز وانقطع؛ لأن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. وأما إذا تحرى السير في أوقات نشاطه أمكنه المداومة من غير مشقة. وكذلك العابد ينبغي أن يختار أوقات النشاط في العبادة. القصد في العبادة يوصل إلى مرضاة الرب ودوام القيام بعبوديته. عن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد. متفق عليه. السارية. الأسطوانة، وهي الدعامة التي يعتمد عليها السقف. فترت، أي كسلت عن القيام في الصلاة. نشاطه، أي مدة ارتياحه وفراغه. من فوائد الحديث: الإسلام دين التيسير ورفع الحرج والمشقة. التنفل جائز في المسجد للرجال والنساء. إزالة المنكر باليد لمن يتمكن من ذلك. يكره أن يعتمد المصلي في أثناء صلاته على شيء. الحث على الاقتصاد في العبادة والإقبال عليها بنشاط. جواز القعود في الصلاة لمن أصابه الإعياء. إنكار المنكر لا يكون إلا بعد العلم. هذا حبل لزينب، المقصود زينب بنت جحش رضي الله عنها أم المؤمنين. عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. متفق عليه. نعس من النعاس، وهو مقدمة النوم. فليرقد، أي فلينصرف عن الصلاة بعد تمامها لينام. فَيَسُبُّ نَفْسَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِمَا لَا يَقْصِدُهُ لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ فَيَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: كَرَاهَةُ إِجْهَادِ النَّفْسِ بِالْعِبَادَةِ. الِاقْتِصَادُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي الْعِبَادَةِ. الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ. وُجُوبُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالِابْتِعَادِ عَمَّا يُذْهِبُ ذَلِكَ. اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ. رَفْعُ الْإِثْمِ عَمَّنْ قَالَ أَمْرًا لَا يَقْصِدُهُ وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ قَلْبُهُ، كَهَذَا النَّاعِسِ أَوْ مَنْ أَذْهَلَتْهُ الدَّهْشَةُ. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ قَصْدًا، أَيْ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَخْفِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ رَحْمَةً بِالْمُصَلِّينَ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَصَاحِبَ الْحَاجَةِ. رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. ولكنه لم يكن يبالغ في الإيجاز. التوسط في الأمور مدعاة للاستمرار في الطاعة وعدم الانقطاع. رياض الصالحين.