الحلقة (027) باب في الاقتصاد في العبادة (027)

رياض الصالحين · المقطع 27 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الاقتصاد في الطاعة. عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال له: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له: نم، فنام. ثم ذهب يقوم، فقال له: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان. رَوَاهُ البُخَارِي. آخى من المؤاخاة والمعاهدة على التناصر والقيام بحقوق الدين. متبذلة، أي لابسة ثياب المهنة، تاركة لبس ثياب الزينة. ما شأنك؟ أي لماذا أنت على هذه الحالة؟ ليس له حاجة في الدنيا، أي لا يهتم بمتاع الدنيا وملذاتها. من فوائد الحديث: مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإخوان والمبيت عندهم. مشروعية مخاطبة الأجنبية للحاجة، والسؤال عما يترتب عليه مصلحة، وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل. مشروعية النصح للمسلمين، وتنبيه من غفل منهم. فضل صلاة آخر الليل، وأن وقت السحر هو وقت القيام. ثبوت حق المرأة على الزوج في حسن المعاشرة، ويؤخذ منه حق المرأة في الوطء. مشروعية تزين المرأة لزوجها. جواز الفطر من صوم التطوع. جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق الواجبة. كراهية تكليف النفس ما لا تطيق في العبادة. هذا الأمر بين سلمان وأبي الدرداء كان قبل نزول فرض الحجاب. عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال. أُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُودَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَئِنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ. فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: صُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُودَ، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ دَاوُودَ؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُودَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ. قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ. قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ. قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال: فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك. فشددت، فشددد علي، وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر. قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: وإن لولدك عليك حقا. وفي رواية: لا صام من صام الأبد، ثلاثا. وفي رواية: أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود. كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى. وفي رواية قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، وكان يتعاهد كنته، أي امرأة ولده، فيسألها عن بعلها، فتقول له: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فلما طال ذلك علي، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: القني به. فلقيته بعد ذلك، فقال. كيف تصوم؟ قلت: كل يوم. قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة. وذكر نحو ما سبق. وكان يقرأ على بعض أهله السبع الذي يقرأه، يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل. وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم. كل هذه الروايات صحيحة، معظمها في الصحيحين، وقليل منها في أحدهما. بأبي أنت وأمي، أي أنت مفديّ بأبي وأمي. لزورك، أي لضيفك. بحسبك، أي كافيك. لا يفر إذا لاقى، أي لا يهرب إذا لاقى العدو في الحرب، لقوة نفسه بما أبقى منها. أنكحني، أي زوجني. بعلها، أي زوجها. لم يطأ لنا فراشًا، كناية عن المضاجعة والنوم معها على الفراش. لم يكشف لنا كنفًا، الكنف هو الجانب، أي لم يكشف لنا سترًا. عبرت بذلك عن امتناعه عن الجماع، وأنه لم يقربها. من فوائد الحديث: جواز نقل الخبر على سبيل الإصلاح أو الاستفتاء. ولذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: جواز قول الرجل بأبي أنت وأمي. تفقد العالم أبي المربي أحوال تلاميذه ورعيته، وإرشادهم إلى الطريق الأمثل الذي ينفع. سعة رحمة الله تعالى بعباده، حيث جعل الحسنة بعشرة أمثالها. جواز مراجعة العالم أو المفتي لبيان حال قد يخفى عليه. الأكمل والأفضل اتباع منهج الأنبياء وعملهم. ينبغي على العبد المسلم أن يعطي كل ذي حق حقه، فمن العدل والتقوى عدم منع أهل الحقوق حقوقهم. قليل العبادة الدائم خير من كثيرها المنقطع. التنطع في العبادة وتكليف النفس بالشدائد يوهن العزائم ويضعف الأبدان، فتفر عند لقاء العدو وتولي الأدبار. إعداد النفس والجسم لملاقاة الأعداء وعدم الفرار من ساحة المعركة. جواز تجزئة قراءة القرآن وحفظه ومدارسته. الشباب أقوى على الطاعة من الشيوخ. شدة وفاء عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. حرمة صيام الدهر. السنة في صيام التطوع صيام يوم وإفطار آخر. إلا في الأيام البيض، فتكون متتابعة، وكذلك التاسع والعاشر من المحرم. لا رهبانية في الإسلام. استحباب استخدام ألفاظ الكنايات عند ذكر مسائل الجماع وما يتعلق بالنساء. بيان الأدب في إظهار الشكوى. الإسلام دين الوسطية واليسر، ورفع الحرج وعدم العنت. استحباب السؤال عن زوجة الولد وما يضر بها، والحث على ما ينفعها. اختيار ذات الدين والحسب للولد. زجر الولد إذا وقع في الخطأ. عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا. قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعةً وساعةً، ثلاث مرات. رواه مسلم. وقوله: عافسنا، أي عالجنا ولاعبنا. والضيعات: المعايش. نافق حنظلة، أي خاف على نفسه من النفاق. من فوائد الحديث: استحباب سؤال الإخوان عن حالهم. ينبغي للعبد مراقبة نفسه ومجاهدتها وتفقد أحوالها. يجوز قول: سبحان الله عند التعجب من شيء. حض العالم على ترقيق قلوب أصحابه وتذكيرهم بما يزكي أنفسهم. ينبغي للعالم أن يكون حكيمًا في معالجة الأمور. الدنيا تشغل العبد عن أمر الآخرة. فَإِنْ جَرَفَ معملَ الذاتِ وشهواتِه نسيَ آخرته، وَمَنْ أَدْرَكَ نَفْسَهُ نَجَا. قلوبُ العبادِ تتغيرُ من حالٍ إلى حالٍ، لا يستطيعُ الإنسانُ رؤيةَ الملائكةِ على صورهم الحقيقيةِ في الدنيا. الدوامُ على الذكرِ والمراقبةِ، وعدمُ الفتورِ عن ذلك، من خصائصِ الملائكة. على العاقلِ أن يكونَ له ساعاتٌ: ساعةٌ يناجي فيها ربَّه، وساعةٌ يحاسبُ فيها نفسَه، وساعةٌ يفكرُ فيها في صنعِ الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من مطعمٍ ومشرب. الإسلامُ دينُ الفطرةِ والتوسطِ والاعتدال، يجمعُ بين مصالحِ الدنيا والآخرة، ويجمعُ بين مطالبِ الروحِ والجسد. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقومَ في الشمسِ ولا يقعد، ولا يستظلَّ ولا يتكلمَ ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مُروه فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، وليتمَّ صومه. رواه البخاري. من فوائد الحديث: النذرُ بالسكوتِ ليس قربةً في شريعةِ الإسلام، لا يقبلُ الله تعالى عملاً لم يشرعه ولم يأذن به، ولم يجعله قربة. كل ما يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة، لا ينبغي التقرب به إلى الله تعالى. لا طاعة في نذر المعصية، ومن فعل ذلك فعليه ألا يفي به، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا إسرائيل أن يتكلم ويستظل. نذر الطاعة ينبغي أن يتمه ولا ينقضه، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا إسرائيل أن يتم صومه. جواز السؤال عن الأحوال المستغربة قبل إنكارها. وجوب تغيير المنكر باليد إن قدر عليه، وإلا باللسان. جواز التوكيل في إبلاغ الجواب أو الأمر والنهي، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يبلغوا أبا إسرائيل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. رياض الصالحين.