الحلقة (033) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (033)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. رواه مسلم. معناه: من كره بقلبه ولم يستطع إنكارًا بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي. فتعرفون، أي تعرفون بعض أعمالهم لموافقتها للشرع، وتنكرون، أي تنكرون بعض أعمالهم لمخالفتها للشرع. من فوائد الحديث: من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم إخباره عما سيقع من المغيبات. إذا أحدث الأمراء ما يخالف الشريعة، فلا يجوز للأمة موافقتهم على ذلك. الناس ثلاثة: منهم من يكره بقلبه، فيكون قد تبرأ من المعصية، ومنهم من يستطيع الإنكار بيده أو لسانه، فيسلم من المؤاخذة بذنب الخاصة، ومنهم من يستحسن هذه القبائح، فيهوي على أم رأسه في غضب الله. الصلاة عنوان الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان. التحذير من تهييج الفتن واختلاف الكلمة، واعتبار ذلك أشد نكارة من احتمال منكر الحكام العصاة، والصبر على أذاهم، فإن الفتنة أشد وأكبر من القتل. الميزان في تغيير المنكر وخلع السلطان هو الشرع، لا الهوى أو العصبية أو الطائفية. عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها. فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث. متفق عليه. فزعًا من الفزع، وهو الذعر والخوف. ويل كلمة عذاب، وتقال عند الحزن. يأجوج ومأجوج هم أقوام يظهرون آخر الزمان ويفسدون في الأرض، ويكون ظهورهم من أمارات الساعة الكبرى. ردم هو سد بناه ذو القرنين، وهو المذكور في سورة الكهف. حلق بأسبوعين، أي جعل السبابة في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير. الخبث: الزنا خاصة أو الفسوق والفجور. من فوائد الحديث: الفزع لا يشغل قلب المؤمن عن ذكر الله، بل هو يذكر الله عند الخوف؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب. خروج يأجوج ومأجوج شر. خص العرب بالذكر لأنهم حملة الإسلام ورافعوا لوائه، فإذا فسدوا فهو أمارة شر عياذًا بالله، وليس لذلك خاصية للعرب في ذواتهم أو أنسابهم، بل هم يشرفون بحمل الإسلام ورفع رايته، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. يحصل الهلاك العام بسبب كثرة المعاصي وانتشارها، وإن كثر الصالحون. بيان شؤم المعصية والتحريض على إنكارها. المصائب تعم الناس جميعًا، صالحين وفاسدين، ولكنهم يبعثون على نياتهم. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. متفق عليه. إياكم، أي احذروا وابتعدوا. ما لنا من مجالسنا بد، أي لا نستطيع الاستغناء عنها. غض البصر، أي كف البصر عن المحرمات. كف الأذى، أي رد الأذى ومنعه. من فوائد الحديث: الطريق صعيد مشترك بين المسلمين، لا يجوز احتكاره ليستأثر به أو قطعه أو تضييقه، فهو من الحقوق العامة. جواز الجلوس في الطريق بالشروط المذكورة في الحديث. تحريم النظر إلى عورات المسلمين. غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمور واجبة. المسلم يشتغل بما يصلحه ويصلح مجتمعه. حتى في وقت جلوسه أو فراغه، فأمة يعمل أفرادها ذلك تفلح وتنجح وتفوز، والعكس بالعكس. جواز مراجعة العالم أو المفتي لبيان أمر قد يخفى عليه من الجواب والفتوى. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده. فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. يعمد أي يقصد. انتفع به أي انتفع به ببيع أو هبة. من فوائد الحديث: إزالة المنكر باليد حال القدرة عليه. جواز إعطاء موعظة لمن يرى أنه ينتفع بها. النهي عن خاتم الذهب للرجال للتحريم. جواز المتاجرة بالذهب بيعًا وشراءً. امتثال الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واجتناب نهيه. يؤخذ من الحديث أن التختم بالذهب للرجال من الكبائر. عن أبي سعيد الحسن البصري أن عائذ بن عمرو رضي الله عنه دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم. فقال له: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. رواه مسلم. الرعاء جمع راع. الحطمة: أي العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار، ويلقي بعضها على بعض ويعسفها. ضربه مثلا لوال السوء العنيف في رعيته، لا يرفق بها في سوقها ومرعاها. من نخالة: نخالة الدقيق وهي قشوره، والمراد ما يعبأ بك. من فوائد الحديث: التزام الصحابة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الصحابة كلهم سادة وأفاضل؛ لأنهم خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف السقط والنخالة إلا بعد قرنهم. إصلاح الأمة وصلاحها يكون بقودها إلى الطريق القويم باللين. استحباب نصح الرجل لأبنائه. خير الناس للناس من كان هينًا لينًا. عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. جواز تنويع صيغة الحلف ما دام مشروعًا. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان من غضب الله وعقابه. جزاء التفريط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدم استجابة الدعاء. يعم شؤم المنكر وبلاؤه فاعله وغيره. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. رواه أبو داود والترمذي. كلمة عدل أي كلمة حق. جائر أي ظالم. من فوائد الحديث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد. نصح الحاكم الجائر من أعظم الجهاد. الجهاد مراتب، وهو يتفاضل ويتفاوت. جواز مواجهة الحاكم الظالم عند ظلمه، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وينبغي الترفق بالنصح والتلطف بالموعظة لعله يتذكر أو يخشى. عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر. رواه النسائي. الغرز هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بجلد وخشب. من فوائد الحديث: إنما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلطان الظالم من أفضل الجهاد؛ لأنه يدل على كمال يقين فاعله وقوة إيمانه، حيث تكلم عند ذلك الحاكم الجبار ولم يخف من جوره وبطشه، بل باع نفسه لله، وقدم أمر الله وحقه على حق نفسه، وفي هذا مخاطرة أشد من مخاطرة المقاتل في ساحة المعركة. رياض الصالحين.