الحلقة (034) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وباب الأمر بأداء الأمانة (034)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم إلى قوله: فاسقون. ثم قال: كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا. أَوَلَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ. رواه أبو داود والترمذي. هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئًا، فقال: لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرا. قوله: تأطروهم، أي تعطفوهم، ولا تقصرنَّه، أي لا تحبسنَّه. النقص، أي النقص في الدين. أكيله وشريبه وقعيده، أي مواكله ومشاربه ومقاعده. من فوائد الحديث: جمع اليهود بين فعل المنكر والجهر به وعدم النهي عنه. السكوت على فعل المعاصي إنما هو تحريض على فعلها وسبب لانتشارها. حرمة الجلوس مع من يباشر المنكر. إنكار القلب للمنكر يقتضي مفاصلة أهله. الأمة المرحومة هي التي تتواصى بالحق والصبر، وتتناهى عن المنكر. لا يكفي مجرد النهي عن المنكر باللسان، مع القدرة على المنع باليد والقسر على الحق. عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس، إنكم لتقرؤون هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه. رواه أبو داود والترمذي والنسائي. من فوائد الحديث: وجوب تدبر كلام الله تعالى وفقهه. حرمة القول في القرآن بالرأي. على الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها، وتتواصى بالحق والصبر. عقاب الله يشمل الظالم لظلمه، وغير الظالم لإقراره عليه. باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله. قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. وقال تعالى إخبارًا عن شعيب صلى الله عليه وسلم: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. عن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. متفق عليه. قوله: تندلق، معناه تخرج. الأقتاب: الأمعاء، واحدها قتب. الرحى: أي حجر الطاحون. آتي: أي أفعله. من فوائد الحديث: بيان عقوبة من يخالف قوله فعله، لعصيانه مع العلم المقتضي للخشية والمباعدة عن المخالفة. من المغيبات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وصف النار ووصف المعذبين فيها. فعل المعروف وترك المنكر يمنعان من دخول النار. الناس يوم القيامة يعرف بعضهم بعضًا، ويصارح بعضهم بعضًا، بعد كشف الستر وظهور الغيب. باب الأمر بأداء الأمانة. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. وقال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. متفق عليه. وفي رواية: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. آية: أي علامة. أخلف: أي لم يفِ بما وعد. وإن زعم: أي وإن قال وادعى. من فوائد الحديث: النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن، وهو قسمان: نفاق في الاعتقاد، وهو الأكبر، وهو كفر. ونفاق في الأفعال، وهو الأصغر، وهو الرياء. وَالْمُنَافِقُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ لِأَهْلِهِ وَأَبْطَنَ غَيْرَهُ. الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَا عَدَاهَا، دَالَّةٌ عَلَى فَسَادِ مَا سِوَاهَا، إِذْ أَصْلُ الدِّيَانَةِ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثٍ: الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ وَالنِّيَّةُ، فَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِالْكَذِبِ، وَعَلَى فَسَادِ الْفِعْلِ بِالْخِيَانَةِ، وَعَلَى فَسَادِ النِّيَّةِ بِالْخُلْفِ. مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ صَارَ فِي النِّفَاقِ الَّذِي لَا يَنْفَعُهُ دَعْوَى الْإِسْلَامِ. الْمُسْلِمُ يُطَابِقُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ. الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ عِبَادَاتٌ تُهَذِّبُ النَّفْسَ وَتُزَكِّيهَا وَتَدْعُوهَا لِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ. عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ. حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ فَقَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً ليردنَّه علي دينه، وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنَّه علي ساعيه. وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً، متفق عليه. قوله: جذر هو أصل الشيء، والوقت هو الأثر اليسير، والمجل هو تنفط في اليد ونحوها من أثر عمل وغيره، قوله: منتبراً أي مرتفعاً، قوله: ساعيه أي الوالي عليه، تُقبض أي تُنزع منه. من فوائد الحديث قوله: إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، يفيد أن الأخلاق في الإسلام لم تكن يوماً طلاءً ذهبياً ليتهافت الناس عليها. الأخلاق في الإسلام أكبر من مفهوم الإنسانية الذي رفعتها مؤسسات وجمعيات جاهلية معاصرة. وَخَدَعَتْ بِبَهْرَجِ الْقَوْلِ وَزُخْرُفِهِ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ. الأخلاق في الإسلام تتسع حتى تشمل الحيوان والنبات، وتقرر أن علاقة المسلم بغيره تقتضي المودة والرحمة حتى في القتل والذبح. قال صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. الأخلاق في الإسلام أعمق من مفهوم الإنسانية المعاصرة؛ لأنها تتجاوز المظاهر والمرئيات إلى اللباب وسرائر النفوس. الأخلاق في الإسلام أخلد من مفهوم الإنسانية المعاصرة التي تنتهي بانقضاء الجنس البشري على هذه الأرض، بيد أن الأخلاق تصل المسلم بالآخرة، حيث يخلد برحمة من ربه في جنات النعيم، ويرث الفردوس الأعلى بقدر سهامه في الأخلاق. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا. مرجعية الأخلاق الإسلامية تعود إلى الفقه في الدين، فكلما زاد الإنسان فقهًا في دينه زاد معياره في الأخلاق. قوله: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل أثر الوقت إلى آخر الخبر، وحاصله أنه أُنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائناً بعد أن كان أميناً، وهذا إنما يقع على ما هو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائناً لأن القرين يقتدي بقرينه. الأخلاق منها ما هو غريزة، ومنها ما هو مكتسب، فهذا الرجل اكتسب الأمانة فأصبح أميناً، لكنه عندما لم يتعاهدها عاد إلى طبعه في الخيانة. الأخلاق قابلة للتغيير، فلو لم تكن كذلك لم يكن للمواعظ والوصايا معنى. قوله: فيقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، يفيد أن الأخلاق والإيمان مقرونان ببعضهما، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. قوله: ولقد أتى علي زمان ولا أبالي أيكم بايعت، يفيد وجوب وجود رادع يمنع الناس عن القبائح، ويحملهم على العمل الصالح. وهذا يوحي بضرورة تولي أهل العلم والصلاح والفضل وأولي الأمر تقويم الناس وإصلاحهم، وإلا انفرط عقدهم. لقد كانت الأخلاق في تصور خير القرون عقيدة، فتبوأت في حياتهم مكانًا عليًّا، فكتب التاريخ سيرتهم بحروف معطرة، تُفعم الحياة فضيلة وخيرًا، وصلاحًا وإصلاحًا. فلما تغير الزمان، وارتفع الحياء والإيمان، أصبحت ترى الرجل فتقول: ما أعقله، ما أظرفه، ما أجلده، ولكنه خاوٍ على عروشه، ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد زالت الأمانة إلا ما قل منها من الصدور، وارتفعت من التعامل إلا في القليل من الناس. انعدام الأمانة بين الناس يحل محلها النفاق والمراوغة، وتضيع القيم الأصلية، وتحل محلها المظاهر الخداعة، وهذا يؤدي إلى دمار الأمة وهلاكها. رياض الصالحين.