الحلقة (035) باب الأمر بأداء الأمانة (035)

رياض الصالحين · المقطع 35 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الأمر بأداء الأمانة. وعن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم صلوات الله عليه، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. قال: فيأتون إبراهيم، فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلًا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا. فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق. قلت: بأبي وأمي، أي شيء كمرِّ البرق؟ قال: ألم تروا كيف يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كمرِّ الريح، ثم كمرِّ الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل لا يستطيع السير إلا زحفًا، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناجٍ ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا. رواه مسلم. قوله: وراء وراء، معناه لست بتلك الدرجة الرفيعة، وهي كلمة تُذكر على سبيل التواضع. يجمع الله الناس، أي بعد البعث في أرض المحشر. تُزلف لهم الجنة، أي تُقرَّب لهم الجنة. استفتح، أي اسأل لنا فتحها. خليل من الخلة، وهي أعلى درجات المحبة. الرحم، أي القرابة التي تُطلب صلتها شرعًا. جنبتي، أي على جانبيه. الصراط هو جسر ممدود على متن جهنم يمر عليه أهل المحشر. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أي أفديك بهما. طرفة عين، أي مدة وقوع الجفن على الجفن. أشد الرجال، أي أقوى الرجال في عدوهم السريع حتى تعجز أعمال العباد، أي تضعف أعمالهم الصالحة عن سرعة المرور على الصراط. كلاليب، جمع كلوب، وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. مخدوش، أي مجروح وممزق. مكردس، أي مسوق بعنف إلى جهنم وملقى فيها بعضه على بعض. الخريف، أي السنة. من فوائد الحديث: إخبار عن مآل الناس، وأن الله جامعهم إليه في يوم لا ريب فيه ليحاسبهم على أعمالهم. الجنة لا تفتح إلا باستفتاح من الشفيع صلى الله عليه وسلم. أصل البشر من آدم عليه الصلاة والسلام، وهذا علم يقيني لا يعتريه شك. تواضع الأنبياء، فكل منهم يحيل الأمر إلى الآخر ذاكراً أمراً من أموره في الدنيا. رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشافع المشفع يوم القيامة، وهذا دليل فضله وفضيلته وتقدمه على غيره من الأنبياء. وعلو منزلته عند ربه سبحانه وتعالى. تعظيم شأن الأمانة والرحم، حيث يقومان على جانبي الصراط. أحوال الناس على الصراط، وأنهم ينجون من العذاب بأعمالهم ويدخلون الجنة برحمة الله. شدة هول جهنم وبعد قعرها، وأنها دار الكافرين والمنافقين. عن أبي خبيب عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئا؟ ثم قال: يا بني، بع ما لنا، واقض ديني، وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه، يعني لبني عبد الله بن الزبير ثلث الثلث. قال: فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلثه لبنيك. قال هشام: وكان ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول. يا بني، إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه بمولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد، حتى قلت: يا أبتِ، من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقضِ عنه دينه، فيقضيه. قال: فقتل الزبير، ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين، منها الغابة، وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا شيئًا، إلا أن يكون في غزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. قال عبد الله: فحسبت ما كان عليه من الدين، فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف. فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمته وقلت: مئة ألف. فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ هَذِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدِ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ شَيْءٌ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا. قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا. فَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْهَا، فَقَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ وَأَوْفَى، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. فَقَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفُ سَهْمٍ. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ. فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: وَاللهِ لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ، أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي فِي الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ وَدَفَعَ الثُّلُثَ، وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. يَوْمُ الْجَمَلِ هِيَ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَمَنْ مَعَهَا، وَسُمِّيَتْ مَوْقِعَةُ الْجَمَلِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَانَتْ تَرْكَبُ عَلَى جَمَلٍ عَظِيمٍ وَقَفَتْ بِهِ فِي الصَّفِّ. وكان ذلك سنة ست وثلاثين من الهجرة. لا يقتل إلا ظالم أو مظلوم، لأنهم إما صحابي متأول فهو مظلوم، وإما غير صحابي قاتل لأجل الدنيا فهو ظالم. وازى، أي ساوى. كربة، أي حزن يأخذ بالنفس. الغابة، هي أرض عظيمة من عوالي المدينة. سلف، أي قرض. أرأيتك، أي أخبرني. فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ، أي طلب أن يؤخر دينه على الزبير مع الديون التي يؤخرون قضاءها. الموسم، أي موسم الحج. من فوائد الحديث: منزلة الزبير بن العوام رضي الله عنه عند نفسه، وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووثوقه بالله وإقباله عليه، والرضا بحكمه والاستعانة به. شدة أمر الدين، لأن مثل الزبير رضي الله عنه مع ما سبق له من السوابق وثبت له من المناقب، رهب من الدين حتى بعد الموت. مشروعية الوصية عند الحرب، لأنه قد يفضي إلى الموت. جواز الاستقراض، ووجوب وفاء الدين من ورثة الميت قبل تنفيذ الوصية وقبل قسمة التركة. جواز ملك الدور والأرض مهما كثرت إذا كان ذلك من وجه شرعي. المحافظة على الأمانات. قوة نفس عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وعفتها بعدم قبوله ما سأله حكيم بن حزام رضي الله عنه من المعاونة، وما سأله عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما من المحاللة. البركة إذا وُضعت في شيء جعلت القليل كثيرًا، وإذا نُزعت من شيء كان وبالًا خطيرًا. ينبغي الإمساك عما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من الفتنة، فجميعهم عدول، وما كان بينهم فهم مجتهدون في ذلك ومتأولون. النية الحسنة تدفع بصاحبها إلى تيسير أموره وقضاء ديونه، كما حصل للزبير بن العوام رضي الله عنه. رياض الصالحين.