الحلقة (037) باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم (037)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم. عن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أُهديت إلي. أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، فقال: اللهم هل بلغت؟ ثلاثاً، متفق عليه. استعمل، أي كلف بجمع الصدقة. ابن اللتبية نسبة لبني لتب، وهم بطن من الأزد، واسمه عبد الله. واللان الله، أي جعل لي تصرفًا فيه وولايةً عليه. رغاء هو صوت الإبل. خوار هو صوت البقر. تيعر، أي تصيح. من فوائد الحديث: ولي الأمر يرسل من يجمع الزكاة ثم يصرفها لمستحقيها بالعدل. هدايا العمال غلول ورشوة، فلا يحق له أن يخصه الناس بشيء من العطاء، ولذلك فإن أخذ الموظفين للأموال والهدايا أكل مال حرام، ولا يحق للعامل أن يستغل منصبه لمنفعة خاصة. من أخذ أموال الناس بالباطل فضحه الله على رؤوس الأشهاد. ما من ظالم إلا ويأتي بما ظلم به يوم القيامة. الأسلوب النبوي في النصيحة والتذكير هو التعميم لا التشهير، لأن في ذلك مصلحة شرعية، ولذلك كان الخطاب عامًا. في الحديث بيان واضح أن الرزق يُجلب بالسعي، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا. استحباب رفع اليدين في الدعاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. رواه البخاري. مظلمة: أي حق ظلمه فيه. عرض: موضع الذم والمدح في الإنسان. فليتحلله منه: أي يستبرئ ذمته منه بأدائه أو بعفوه. من فوائد الحديث: حرمة الظلم، وحث الظالم على التحلل من ظلمه قبل أن يأتي يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم. حقوق العباد لا يغفرها الله إلا بإرجاعها إلى أهلها. الدينار والدرهم هما وسيلة لجلب المنافع في الدنيا، أما يوم القيامة فالحسنات والسيئات. الحسنات والسيئات توزن يوم القيامة بقدر المظالم. الأعمال الصالحة يفسدها ويذهب ثمرتها ظلم الناس وإيذاؤهم. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. متفق عليه، واللفظ للبخاري. من فوائد الحديث: أفضل المسلمين وأكمل المؤمنين من أدى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين. الاعتداء قد يكون فعلاً أو قولاً. ينبغي ترك المعاصي والالتزام ما أمر الله تعالى به. من أحسن التعامل مع ربه لا بد أن يحسن المعاملة مع إخوانه المسلمين، لأن الإيمان يثمر العمل الصالح والقول الطيب. الهجرة هجرتان: ظاهرة وباطنة، فأما الظاهرة فهي الفرار بالدين من الفتن، والانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام أو دار الخوف إلى دار الأمن. وأما الباطنة فهي ترك الهوى النفسي وشهواتها، وكبح جماحها وتربيتها على طاعة فاطرها. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها. رَوَاهُ الْبُخَارِي. الثَّقَلُ: ما يثقل حمله من الأمتعة والعيال. عَبَاءَة: أي كساء فيه خطوط سود. الغلول: أي الخيانة، وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها. من فوائد الحديث: تحريم قليل الغلول وكثيره، ولذلك فإن خيانة أموال المسلمين العامة من كبائر الذنوب توجب لمرتكبها النار، سواء أكانت قليلة أم كثيرة. عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه. ثم قال: ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ قلنا: نعم. قال: اللهم اشهد. متفق عليه. استدار، أي عاد ورجع في انقسامه إلى السنين، والسنة في انقسامها إلى الأشهر، وهي في قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. هيئته، أي صورته وشكله وحاله. أربعة حرم، أي يحرم فيها البدء بالقتال. راجب مضر أضيف إلى قبيلة مضر؛ لأنها كانت أكثر القبائل محافظة على حرمته، كحرمة يومكم هذا، أي كعِظَم الذنب في هذا اليوم. أوعى، أي أفهم. من فوائد الحديث: بطلان النسيء، وهو عادة جاهلية، كانوا إذا احتاجوا إلى الحرب في الأشهر الحرم استحلوها وأخروها إلى الأشهر التي تليها، وأخروا على ذلك الحج. دم المسلم وعرضه وماله حرام على أخيه المسلم، فينبغي صيانتها والحفاظ عليها والدفاع عنها. المسلم موقوف بين يدي ربه، يحاسبه على كل صغير وكبير. وجوب تبليغ العلم ونقله بأمانة وصدق بعد فهمه وحفظه. جواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء، وإنما الحفظ. الناس متفاوتون في مراتب الفهم، ولذلك فقد يأتي في الآخر من يكون أفهم وأفقه ممن تقدمه. طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتوجيه وضرب الأمثلة ليكون أبلغ في التأثير وأكثر وضوحًا في نفس السامع. عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اقْتَطَعَ: أَيْ أَخَذَهُ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ. بِيَمِينِهِ: أَيْ بِحَلِفٍ كَاذِبٍ. قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ: أَيْ عُودًا مِنْ شَجَرِ الْأَرَاكِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِأَعْوَادِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: حُرْمَةُ اغْتِصَابِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَالْحِرْصُ عَلَى أَدَائِهَا لِأَهْلِهَا وَلَوْ كَانَتْ شَيْئًا يَسِيرًا. حُقُوقُ الْعِبَادِ مَانِعَةٌ مُغْتَصِبِيهَا مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، أَوْ تُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَتُعْطَى لِلْمَظْلُومِينَ، أَوْ تُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِينَ وَتُطْرَحُ عَلَى الظَّالِمِينَ. الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مِنَ الْمُوبِقَاتِ. رياض الصالحين.