الحلقة (038) باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم (038)

رياض الصالحين · المقطع 38 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم. عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة. فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن، من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى. رواه مسلم. مخيطًا فما فوقه، أي إبرة أو ما هو أصغر منها. غلولًا، أي خيانة الغنائم على وجه السرقة قبل قسمتها. من فوائد الحديث: في الحديث وعيد شديد وزجر أكيد في الخيانة من العامل في القليل والكثير، فمن اؤتمن على أموال المسلمين فعليه أن يحافظ عليها ويوصلها إلى مستحقيها، ولا يخص نفسه بشيء من ذلك. الحرص على البعد عن الإمارة والوظائف العامة، فإنها مظنة التقصير. ولاة الأمور ينبغي أن يعرفوا الجهات التي يرد منها المال العام، فيأخذوا ما هو حلال، وما لم يجز أخذه يرد إلى أهله. جواز نعت الرجل بما فيه للمعرفة إذا لم يكن ذلك يغضبه، ولذلك قال في الحديث: فقام إليه رجل أسود من الأنصار. سرعة عودة الصحابة رضي الله عنهم للحق بعدما تبين لهم. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة. رواه مسلم. نفر: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويطلق على ما دون العشرة من الرجال. من فوائد الحديث: خيانة المال العام على وجه السرقة ذنب عظيم. جواز إطلاق لفظ الشهيد على من مات في سبيل الله، وظهر لنا حسن عمله. إذا كان هناك ما يدل عليه من تأييد نبوي، كما ورد في حق عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم. إطلاق لفظ الشهيد على المعين لا يجوز، لأن الشهيد على الحقيقة لا يعرف إلا بوحي، وقد ورد النهي عن السلف رضي الله عنهم، فقد خطب عمر رضي الله عنه فقال: لا تقولوا في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات في سبيل الله أو قُتل فهو شهيد. وقد ترجم البخاري في كتاب الجهاد في صحيحه باب: لا يقول فلان شهيد. القتل في سبيل الله لا يكفر حقوق العباد. إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فأطلعه على خواتيم بعض العباد. عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله. أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك. رواه مسلم. محتسب: أي مخلص ترجو الثواب والأجر من الله. مقبل: أي غير فار ولا مولّ الأدبار. من فوائد الحديث: الإمام يحث أصحابه ويذكرهم بفضائل الأعمال وأفضلها ليقبلوا عليها، ويجدد الإيمان في قلوبهم بين الفينة والأخرى. حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على طلب الأعمال المكفرة للذنوب. الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته وقهر أعدائه من أعظم العبادات وأفضل القربات. شروط الجهاد هي الصبر على ما أصابك في سبيل الله، وإخلاص ذلك. تبتغي به وجه الله، وعدم الفرار يوم الزحف. الشهادة في سبيل الله تكفر الخطايا والذنوب. القتل في سبيل الله لا يكفر حقوق العباد إذا تمكن من أدائها ولم يفعل. أما من لم يتمكن من الاستبراء منها، وتاب قبل موته وندم، فالله وليه يرضي خصمه. جواز الاستفهام والاستدراك على الكلام إذا كان في ذلك زيادة فائدة أو بيان. السنة النبوية وحي من عند الله، لكنه غير متلو. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار. رواه مسلم. متاع هو كل ما يُنتفع به ويتمتع به من عروض الدنيا، قل أو كثر. شَتَمَ، أي سب. قذف، أي رمى بالزنا دون بيِّنة. سفك، أي أراق وأهرق. فنيت، أي لم يبق منها شيء. من فوائد الحديث: للعقل مفاهيم مأخوذة مما عقله وتعلمه في الدنيا، يزن بها الأشياء ويقوم الأمور، ولكن الشرع له ميزان أوضح لتحديد ذلك، فلذلك الاصطلاحات الشرعية لها اعتبار في فهم مراد الله ورسوله. الإفلاس الحقيقي هو خسران النفس والأهل يوم القيامة. التأكيد على مفارقة الظلم، وبخاصة أكل حقوق العباد، والاعتداء على أموالهم ودمائهم وهتك أعراضهم بالقول أو الفعل، لأن ذلك يفسد ثمرة العمل الصالح. معاملة الله للخلق قائمة على العدل والحق. من طرق تعليم العلم المحاورة التي تشوق السامع، وتثير اهتمامه، وتلفت نظره، وتصوب خطأه. عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه. فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَلْحَنُ، أَيْ أَعْلَمُ. تَخْتَصِمُونَ، أَيْ تَتَرَافَعُونَ إِلَيَّ لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمْ بِحُجَّتِهِ، أَيْ بِدَعْوَاهُ. أَقْطَعُ، أَيْ أُعْطِيهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ مِثْلُ غَيْرِهِ، لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَدْرِي مَا فِي الْقُلُوبِ، وَلَكِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. الْقَاضِي يَقْضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْقَرَائِنِ، فَهُوَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ. يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي وَالْحَاكِمِ أَلَّا يَحْكُمَ قَبْلَ سَمَاعِ الْخَصْمَيْنِ. إِنْ أَخْطَأَ الْقَاضِي بَعْدَ التَّحَرِّي وَالتَّثَبُّتِ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مَأْجُورٌ. خَطَأُ الْقَاضِي لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا. مَنْ حُكِمَ لَهُ بِشَيْءٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ لِأَخِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ. الْقَاضِي وَالْحَاكِمُ يُذَكِّرَانِ الْخُصُومَ بِاللَّهِ وَيُخَوِّفَانِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ لِكُلِّ مَنْ ظَلَمَ وَأَخَذَ حَقَّ غَيْرِهِ. عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فُسْحَةٌ، أَيْ سَعَةٌ، وَرَجَاءُ رَحْمَةِ رَبِّهِ. يُصِبْ دَمًا حَرَامًا، أَيْ يَقْتُلْ مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقٍّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: حِفْظُ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ هَدَفٌ مِنْ أَهْدَافِ الْبِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ. قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرَأَةُ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. يَتَخَوَّضُونَ، أَيْ يَتَصَرَّفُونَ بِالْبَاطِلِ. مَالِ اللَّهِ، أَيْ الْأَمْوَالُ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ بِأَيْدِي الْعُمَّالِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: حُرْمَةُ التَّصَرُّفِ بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، وَإِنْفَاقِهَا بِالتَّشَهِّي وَالْبَاطِلِ. الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ يُعَاقَبُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. الْمَالُ عَصَبُ الْحَيَاةِ، وَسَبَبُ لِقُوَّةِ الْأُمَّةِ، فَيَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، وَخَاصَّةً أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، حَيْثُ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي إِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَالْجِهَادِ، وَتَأْمِينِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ. ولذلك كان الاهتمام به عظيماً في الإسلام. رياض الصالحين.