الحلقة (039) باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم (039)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم. قال الله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ. وقال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. وقال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقال تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه. متفق عليه. من فوائد الحديث: وجوب التعاون بين المؤمنين على البر والتقوى. المؤمن في حاجة إلى عون إخوانه؛ لأنه بهم يقوى. في الحديث وجه بياني، فمن أراد المبالغة في الكلام للتأكيد ألحقه بالفعل والوصف بالحركة. يحتمل أن يكون الذي شبك بين أصابعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو راوي الحديث. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء. متفق عليه. نبل: أي السهام العربية. نصالها: أي الحديدة التي في رأس السهم. من فوائد الحديث: شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته وحرصه على سلامتها. حرص الإسلام على أمن المسلم وعدم إيذائه ولو بجرح يسير، تعظيمًا لحرمته وإعلاءً لمنزلته. تعليم المسلم أدب المشي في الأسواق وحمل السلاح، وفي ذلك ضمان سلامة الآخرين وعدم إرهابهم أو تخويفهم. جواز حمل السلاح في المسجد أو السوق ما لم يترتب على حمله مضرة على المسلمين. عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. متفق عليه. من فوائد الحديث: المجتمع الإسلامي وحدة متكاملة في الرحمة والتواصل والتعاون، ولذلك فإن هذا تشبيه بديع؛ لأنه يقرب المعاني للفهم ويظهرها في صورة المرئيات. ينبغي تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضًا. المجتمع الذي يسوده الحب يسوده الأمن. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من لا يرحم لا يُرحم. متفق عليه. من فوائد الحديث: تقبيل الأبوين لأولادهما مشروع ومستحب. العطف على الصغير دلالة الرحمة والشفقة عليه. من أسباب رحمة الله للناس التراحم بينهم. الجزاء من جنس العمل، فمن لا يرحم لا يُرحم. فيه دلالة على جفاء الأعراب. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: نعم. قالوا: لكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوأملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟ متفق عليه. من فوائد الحديث: جعل الله الرحمة في قلوب عباده ليعطف بعضهم على بعض، ولتستقيم أمور الحياة وتتصل مكوناتها. البيئة لها أثر في تكوين الإنسان النفسي، فهؤلاء الأعراب لا يقبلون أبناءهم لما في طبعهم من الغلظة والجفاء، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: من بدا فقد جفا. عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله. متفق عليه. من فوائد الحديث: ينبغي على العبد أن يستعمل الرحمة مع جميع الخلق. الرحمة خلق عظيم حرص الإسلام على تعزيزه في النفس البشرية. التراحم بين الناس سبب في رحمة الله لهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء. متفق عليه. وفي رواية: وذا الحاجة. إذا صلى أحدكم للناس، أي إذا صلى إمامًا. الضعيف: أي كبير السن. السقيم: أي المريض. ذا الحاجة: أي صاحب الحاجة. من فوائد الحديث: تخفيف الصلاة أمر مستحب لمراعاة حاجات المؤمنين وأوضاعهم. التخفيف لا يكون بالإخلال بأركان الصلاة وواجباتها. صلاة المرء منفردًا تختلف عن صلاته جماعة، فإذا صلى منفردًا لوحده فله أن يطيل كيف شاء. فيه حض للأئمة على عدم تنفير الناس من صلاة الجماعة، وذلك بتطويلها. يسر الإسلام وسماحته ورفع الحرج والعسر عن الأمة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به. خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. متفق عليه. من فوائد الحديث: حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على التخفيف والتيسير على أمته. الغلو في الدين سبب في العجز عن القيام بالمشروع. الأعمال التي كان يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما كان واجبًا في حقه، ومنها ما كان نفلًا. ترك المستحب من الأعمال إذا بنى على تركه مصلحة شرعية كان الترك أفضل. وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعدم جواز الخروج عن هديه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. عن عائشة رضي الله عنها قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. متفق عليه. معناه: يجعل فيَّ قوة من أكل وشرب. الوصال هو ألا يتناول مفطرًا بين الصومين، فهو وصل الصوم ومتابعة بعضه بعضًا دون فطر أو سحور. من فوائد الحديث: تحريم الوصال في الصيام. الوصال في الصيام من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم. شفقة الرسول على أمته ورحمته بهم، وخوفه أن يصيبهم الضعف في أبدانهم مما يؤثر على دينهم. استواء المكلفين في الأحكام. كل ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في حق أمته إلا ما استثناه الدليل، فهو من خصائصه عليه الصلاة والسلام. جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله، ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة. جواز الاستكشاف عن حكمة النهي. الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون إلى فعله صلى الله عليه وسلم، ويبادرون إلى الاقتداء به إلا فيما نهاهم عنه. قدرة الله سبحانه وتعالى على إيجاد المسببات من غير سبب ظاهر. عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه. رواه البخاري. أتجوز أي أخفف. من فوائد الحديث. شفقةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم على أمته، وعطفه على أصحابه، ومراعاة أحوال المسلمين. حكمةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فهو يضع الأمور في مواضعها. التخفيف يكون بقراءة السورة القصيرة. الإمام هو الذي يقدر مقدار الصلاة، وله أن يتحول عن تقديره لعارض. جواز إحضار الصغار إلى المسجد، وأن صياحهم أو لعبهم لا يكون مدعاة لطردهم من بيوت الله، ولكن على الكبار الصبر على أذاهم، وتحمل كل ما يصدر منهم، وتعليمهم وتوجيههم إن كانوا ينتفعون بذلك. عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم. رواه مسلم. من صلى الصبح، أي جماعة في وقتها، ذمة الله، أي أمانه وعهده، يكبه، أي يلقيه. من فوائد الحديث: بيان أهمية صلاة الصبح وفضيلتها. الحفاظ على حدود الله وحرماته سبب في حفظ الله للعبد وعونه. التحذير الشديد من التعرض بسوء لمن صلى الصبح في جماعة، وأن في التعرض له بسوء غاية الإهانة والعذاب، فمن عادى أولياء الله فقد آذنه الله بالحرب. من أخفر ذمة الله أخذه الله. رياض الصالحين.