الحلقة (040) باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم (040)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة. متفق عليه. لا يظلمه، أي لا ينقصه من ماله أو من حقه ولا يعتدي عليه. لا يسلمه، أي لا يتركه إلى عدوه أو مبغضيه ينالون منه. فرج، أي أزال. كربة، أي شدة وهم. من فوائد الحديث: المسلمون إخوة متحابون وشركاء متعاونون، كل يكمل الآخر ليتم البناء ويشتد. السعي لقضاء حاجة المسلمين وتفريج همومهم قربة إلى الله وسبب في قضاء حاجة العبد وتفريج همه وكشف غمه. تحريم ظلم المسلم وتركه بين أيدي الظلمة وأعوانهم. المسلم ينصر أخاه بحق، ويكفه عن الظلم ولا يتركه لعدوه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله. كل المسلم على المسلم حرام: عرضه وماله ودمه. التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. رواه الترمذي. لا يخونه، أي لا ينقصه حقه أو من الخيانة التي هي ضد الأمانة. لا يكذبه، أي لا ينسبه للكذب أو يخبره بأمر على خلاف الواقع. لا يخذله، أي لا يترك نصرته. عرضه، أي حسبه ومكارمه، بأن ينتهك بالسب والغيبة والافتراء والقذف. بحسب، أي كافيه من الشر احتقار المسلمين. من فوائد الحديث: المسلمون إخوة أمناء أتقياء، متناصرون على الخير والبر. احتقار المسلمين أمارة للكبر، والكبر شر كله. حرمة مال المسلم ودمه وعرضه دون سبب شرعي. تقوى الله تمنع من الظلم والكبر والبطر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله. التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. رواه مسلم. النجش: أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام. والتدابر: أن يعرض عن الإنسان ويهجره، ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر. لا تحاسدوا، أي لا يحسد بعضكم بعضا، والحسد تمني زوال النعمة. لا تباغضوا، أي لا يبغض بعضكم بعضا في غير الله. من فوائد الحديث: تحريم الحسد، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. تحريم بيع النجش؛ لأنه يقوم على الغش والخداع والغرر والضرر. الهجر بين المسلمين الذي يؤدي إلى التدابر والتقاطع حرام، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون. البيع على البيع حرام، وقد تكاثر النهي عن ذلك حتى بلغ حد التواتر. لا يحق إيصال الأذى إلى المسلم بوجه من الوجوه، من قول أو فعل أو إيماء بغير حق. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. رواه البخاري. من فوائد الحديث: وجوب نصرة المظلوم، الأخذ على يد الظالم نصر له على نفسه وشيطانه، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجوب القيام بحق الأخوة الإيمانية. نقل الإسلام المفاهيم الجاهلية من الهدم إلى البناء، حيث كان الجاهليون يتناصرون، سواء أكانوا مظلومين أو ظالمين لغيرهم، على العصبية الجاهلية. فعلم الإسلام أتباعه أن يضعوا الأمور في مواضعها، فالمسلم ينصر أخاه المظلوم بأخذ الحق له ورد ظالميه، ويأخذ على يد الظالم، فلا يتركه يأكل أموال العباد وينهش أعراضهم ويسفك دماءهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، متفق عليه. وفي رواية لمسلم: حق المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه. حق المسلم، أي الأمر الواجب المتعين. تشميت العاطس، قولك لمن عطس وحمد الله: يرحمك الله. من فوائد الحديث: رد السلام فرض عين إذا كان المسلَّم عليه فردًا. ويكفي عن الجماعة أحدهم. زيارة المريض من حقوقه على إخوانه المسلمين؛ لأنها تدخل المسرة والأنس على قلبه. تشييع الجنائز من محلها والصلاة عليها ودفنها من فروض الكفاية. وجوب إجابة الدعوة ما لم يكن فيها إثم. تشميت العاطس فرض عين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: حق على كل من سمعه. لا يستحق العاطس التشميت إلا بقوله: الحمد لله. إخلاص النصح لمن طلبه حق واجب على المستشار. عظمة المنهج الإسلامي في توثيق عرى المجتمع، وتوثيق أواصر المحبة بين أفراده. عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج. متفق عليه. وفي رواية: وإنشاد الضالة في السبع الأول. المياثر هي جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير، ويحشى قطناً أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير، يجلس عليه الراكب. القسي هي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين، وإنشاد الضالة، أي تعريفها. إبرار المقسم، أي إجابة وتصديق من أقسم عليك أن تفعل ما طلبه منك إن كان مشروعاً أو باستطاعتك فعله. الديباج نوع من الحرير. الاستبرق هو ما غلظ من الديباج. من فوائد الحديث: وجوب نصرة المظلوم على المستطيع برد حقه إليه وزجر ظالمه عنه. تحريم استعمال آنية الذهب والفضة. تحريم التختم بالذهب على الرجال. تحريم لبس الحرير على الرجال. النهي عن إنشاد الضالة في المساجد. رياض الصالحين.