الحلقة (041) باب ستر عورات المسلمين، وباب قضاء حوائج المسلمين، وباب الشفاعة

رياض الصالحين · المقطع 41 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: من ستر عبدًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة، إما بغفران ذنوبه فلا يسأله عنها، أو لا يفضحه على رؤوس الأشهاد. الجزاء من جنس العمل. من رأى من أخيه ذنبًا أو خطأً ينبغي عليه أن يستر عليه أو ينصح له، ولكن ليس على رؤوس الأشهاد. المسلم مرآة المسلم. الله سبحانه وتعالى حيي ستير يحب الحياء والستر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. معافى، أي سالمًا من ألسنة الناس وأذاهم. المجاهرون: المعلنون بالمعاصي، المتحدثون بها على سبيل التفاخر. من فوائد الحديث: المجاهرة بالذنب معصية غير الذنب؛ لأن فيها استخفافًا بعظمة الله، وفيه ضرب من العناد. المجاهرة بالذنب تشيع الفاحشة بين المؤمنين. من ستره الله في الدنيا ستره الله في الآخرة ولم يفضحه، وهذا من سعة رحمة الله بعباده. في المجاهرة خمس جنايات: الأولى: الذنب نفسه. الثانية: ذكره بعد إتيانه أو إتيانه في مشهد غيره. الثالثة: كشف ستر الله الذي أسدله عليه. الرابعة: تحريك الرغبة في الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله. الخامسة: ترغيب غيره فيه، والحمل عليه، وتهيئة الأسباب له. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر. متفق عليه. التثريب: التوبيخ. فليجلدها الحد: أي يقيم عليها حد الزنا، وهو خمسون جلدة، وهو نصف حد الحرة، يثرب: أي يعنف. من فوائد الحديث: الإسراع في مفارقة أهل المعاصي وترك مخالطتهم. التوبيخ أمر زائد على الحد، فلا ينبغي اعتداء حدود الله، فكل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم، وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام. وجوب بيان العيب في حالة بيع العبد أو الأمة الزانيين، وهذا يعرف بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فليبعها ولو بحبل من شعر، فإنه لو لم يبين عيبها لما بخسها المشتري إلى هذا الحد. جواز أن يكره البائع لنفسه شيئًا ويرتضيه لغيره بشرط البيان والتعريف. جواز إقامة السيد الحد على العبد. الإشفاق على أهل المعاصي لردهم إلى الصواب وعدم توبيخهم، ولكن توجيههم إلى الحق بالموعظة الحسنة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب خمراً، قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان. رواه البخاري. أخزاك الله، أي قهرك الله وأبعدك. من فوائد الحديث: حد الخمر يحصل بضرب اليد والجريد والنعال. الحدود زواجر جوابر، فمن أُقيم عليه الحد كان له كفارة. لا ينبغي للمسلم أن يكون عوناً للشيطان على من فرط في جنب الله. على المسلمين أن يحرصوا على رد العصاة إلى جانب الحق والصواب. مرتكب الكبيرة لا يكفر بها لثبوت النهي عن لعنه والأمر بالدعاء له. باب قضاء حوائج المسلمين. قال الله تعالى: وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. رواه مسلم. نفس: أي أزال وفرج. يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، أيْ بِالإِبْرَاءِ أَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، أَوْ بِإِنْظَارِهِ إِلَى مَيْسَرَةٍ. يَلْتَمِسُ، أيْ يَطْلُبُ. يَتَدَارَسُونَهُ، أيْ يَتْلُونَهُ وَيَتَعَلَّمُونَهُ. بَطَّأَ، أيْ قَصَّرَ. من فوائد الحديث: إعانة الملهوف والتفريج عن الكروب قربة إلى الله، وسبب في رحمة الله لعبده يوم القيامة. يُستحب التيسير على المعسر، وفيه فضل القرض الحسن بين المسلمين. إعانة العبد لأخيه المسلم سبب في عون الله للعبد. الحرص على طلب العلم الشرعي الذي يوصل إلى مرضاة الله تعالى، والتي بها ندخل الجنة إن شاء الله. أفضل العلوم العناية بكتاب الله تعالى قراءةً وإقراءً، وتعلماً وتعليماً، وفقهاً وتدبراً. تنال سعادة الأبد بالأعمال الصالحة لا بالأحساب والأنساب. باب الشفاعة. قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة. أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب. متفق عليه. وفي رواية: ما شاء. من فوائد الحديث: الحث على السعي في قضاء حاجة المسلم، سواء أُقضيت الحاجة أم لا، وفيه ترغيب على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه، لا يقع إلا ما أراد الله، لا شفاعة في حدود الله تعالى إذا وصل أمرها إلى الحاكم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته. قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاري. من فوائد الحديث: بريرة هي مولاة عائشة رضي الله عنها، أعتقت وهي تحت زوجها مغيث، وكان مغيث يحبها حبًا جمًا، وهي لا تحبه، فشفع له الرسول صلى الله عليه وسلم عندها، فلما استفسرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبين لها أنه لا يأمرها أمرًا لا يسعها مخالفته. بل هو طلب على التخيير، فاختارت نفسها، ولم يثرب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أعتقت الأمة، وكانت تحت زوجها وهو عبد، كان لها الخيار في فسخ النكاح. الشفاعة ليست أمراً، وإنما هي واسطة خير وتوسل لقضاء حاجة المسلم. شفاعة الإمام ليست أمراً. جواز رد الشفيع، وليس في ذلك قدح في الراد أو الشفيع. رياض الصالحين.