الحلقة (042) باب الإصلاح بين الناس

رياض الصالحين · المقطع 42 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الإصلاح بين الناس. قال الله تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. وقال تعالى: والصلح خير. وقال تعالى: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقال تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة. متفق عليه. ومعنى تعدل بينهما: تصلح بينهما بالعدل. سلامى: أي عظام البدن ومفاصله. متاعه: أي كل ما ينتفع به من عرض الدنيا قل أو كثر. تميط، أي تزيل. الأذى، أي ما يؤذي من حجر وشوك في الطريق. من فوائد الحديث: وجوب شكر الله على نعمه وآلائه. أبواب الخير التي يتقرب بها إلى الله كثيرة، تسع جميع أحوال المؤمنين، وهذا من سعة رحمة الله بعباده. الإصلاح بين الناس يكون بالعدل؛ لأن إقامة العدل في الأرض سمة من سمات أهل الإسلام. الحث على إعانة المسلمين ومساعدتهم عند العجز. التنبيه على دقائق الصنعة التي خلق الله الإنسان عليها، وهذا مدعاة للتفكر في بديع صنع الله تبارك وتعالى، ومن ثم تعظيمه وتقديسه. في هذا الحديث دليل على فتح باب عظيم من أبواب الخير يلجه المسلم بأي عمل من أعمال الخير. عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا. متفق عليه. وفي رواية مسلم زيادة، قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. فينمي، أي يبلغ خبراً فيه خيراً. يرخص، أي يجوز. من فوائد الحديث: الكذب حرام، ومن الكبائر لما يترتب عليه من الضرر والفساد، ولكن أبيح في حالات لعظم المصلحة الشرعية المترتبة على ذلك، وهي: الإصلاح بين المسلمين المتخاصمين، في الحرب ومخادعة العدو، في إخبار الرجل امرأته بأنه يحبها وهي كذلك. جواز التورية والمعاريض في الحديث. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب. متفق عليه. معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه. يسترفقه: يسأله الرفق. والمتألي: الحالف. وله أي ذلك أحب، أي ليختر الرفق بالغريم بالإنظار إلى ميسرة أو الوضع عنه. والوضع خير. من فوائد الحديث استحباب الرفق بالغريم المعسر، والإحسان إليه بإنظاره أو الوضع عنه. لا يجوز الحلف على ترك الخير، ومن فعل ذلك فليكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير. السعي للإصلاح بين الخصوم قربة إلى الله عز وجل. استحباب الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت عند القاضي. جواز طلب المدين من الدائن الإنظار أو الوضع. عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنهما فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت. فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف حتى قام في الصف. فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِلَّا الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَعْنَى حُبِسَ: أَمْسَكُوهُ لِيُضِيفُوهُ. بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ هُمْ أَحْيَاءٌ مِنَ الْأَوْسِ، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءٍ. شَرّ: أَيْ قِتَالٌ وَتَرَاجُمٌ بِالْحِجَارَةِ. حَانَتِ الصَّلَاةُ. أي دخل وقتها، وهي صلاة العصر. القهقرى، أي المشي إلى خلف. نابكم، أي أصابكم. من فوائد الحديث: الإسراع في الإصلاح بين المسلمين قطعًا للشر، وحسمًا للقطيعة بينهم. وجوب قيام الإمام على مصلحة الرعية، وتحسس أوضاعهم، والإشراف عليها بنفسه. فضل أبي بكر رضي الله عنه، وأن المسلمين كانوا يعرفون له ذلك. جواز الصلاة بإمامين أحدهما بعد الآخر. جواز إمامة المفضول للفاضل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك؟ تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم. جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها. المبادرة إليها أولى من انتظار الإمام الراتب. جواز المشي في الصفوف لعلة. جواز تحول الإمام مأمومًا. النساء يذكرن الإمام إذا ألم شيء أو نسي، بالتصفيق، والرجال بالتسبيح. الالتفات في الصلاة إذا كان لحاجة لا يؤثر على الصلاة، وذلك واضح في التفات أبي بكر. جواز الحركات المتتابعات إذا كانت لحاجة. وَذَٰلِكَ فِي تَأَخُّرِ أَبِي بَكْرٍ. مُخَاطَبَةُ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ أَوْلَى مِنْ مُخَاطَبَتِهِ بِالْعِبَارَةِ، فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. رياض الصالحين.