الحلقة (043) باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين

رياض الصالحين · المقطع 43 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين. قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ. عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر. متفق عليه. العتل: الغليظ الجافي، والجواظ: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين. ضعيف، أي نفسه ضعيفة لتواضعه وضعف حاله في الدنيا. متضعف، أي يستضعفه الناس ويحقرونه ويفتخرون عليه. أقسم على الله، أي حلف يمينًا طمعًا في كرم الله. أبره، أي أعطاه ما يريد وأجاب دعوته. من فوائد الحديث: النهي عن الغلظة والجفاء والخيلاء، فإنها سمات أهل النار. استحباب التواضع والتذلل للمسلمين، وخفض الجناح للمؤمنين. تحمل الأذى في الله سبب في إجابة الدعاء. المرء ليس بمنظره، ولكن بمخبره وجوهره. عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفع، وإن قال ألا يُسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. متفق عليه. قوله: حري، أي حقيق. من فوائد الحديث: جواز استفتاح العالم جلسته بسؤال تلاميذه. الله لا ينظر إلى صور الناس وأموالهم وأحسابهم وأنسابهم. عدم الاستهانة بالفقراء والأخفياء والأتقياء، فرب واحد منهم خير من ملء الأرض من أصحاب السلطان والشرف. التفاضل بين الناس بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. الترغيب في إنكاح الصالحين والصالحات ولو كانوا فقراء؛ لأنهم أكفاء في الدين والخلق. لا قيمة للعرف السائد الذي يخالف المقياس الشرعي. التكلم على من لم يكن حاضرًا ليعلم الناس أمره أو ليحذروا شره لا يعد من الغيبة المحرمة. إن السيادة لمجرد حيازة الدنيا لا أثر له في المجتمع الإسلامي. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتجت الجنة والنار، فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي. أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِ لَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا. رواه مسلم. احتجت، أي تجادلت وتخاصمت، وأظهرت كل واحدة منهما الحجة على الأخرى. الجبارون، أي المتكبرون. ضعفاء الناس، أي المتواضعون. مساكينهم، أي المحتاجون. من فوائد الحديث: كمال علم الله الذي يعلم ما يكون كيف يكون. هذا الحديث على ظاهره، فقد جعل الله في الجنة والنار تمييزًا تدركان به، فتحاجتا وكان لهما قولًا. التواضع لله وخفض الجناح للمؤمنين سبب في رحمة الله ودخول الجنة. الكبر والبطر طريق إلى النار. الجنة دار رحمة الله، يرحم بها من يشاء من أوليائه. النار دار عذابه، يعذب بها من يشاء من أعدائه. أحق من قضى بين الخصوم بعدله هو الله، لا إله إلا هو، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. خلق الله تعالى للجنة أهلًا، وجعل للنار أهلًا، ولكل منهما ملؤها. جواز المناظرة، وأنها مشروعة لإظهار الحق وإزهاق الباطل. بشارة المؤمنين المستضعفين بالجنة، ووعيد المتكبرين الجبارين بالنار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. متفق عليه. من فوائد الحديث: قيمة الإنسان بعلمه وتقواه، لا بشكله وجسمه يوم القيامة. العبرة بالمقاييس الشرعية لا بالتصورات البشرية. على المسلم أن يهتم بإصلاح قلبه وعمله قبل اعتنائه بمظهره، فالعبرة بالقلوب والأعمال لا بالمظاهر والأجسام. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابا، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات. قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال: دلوني على قبره. فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم. متفق عليه. تقوم، أي تكنس، والقمامة الكناسة. آذنتموني، أي أعلمتموني. صغروا أمرها، أي هونوا شأنها. من فوائد الحديث: فضل تنظيف المسجد وإزالة الأوساخ منه، واتخاذ خادم له. حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته، وسؤاله عنهم وتفقده لهم. تواضعه صلى الله عليه وسلم حتى إنه يسأل عن الخادم والصديق. وكذلك ينبغي أن يكون الأئمة من بعده. جواز إخبار من يهمه أمر الإنسان بموته، ولا يعد هذا من النعي المنهي عنه. فضل شهود صلاة جنازة أهل الخير. جواز صلاة الجنازة لمن لم يصل عليها ولو بعد الدفن. دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين نور وبركة. المكافأة بالدعاء. لا يجوز احتقار الآخرين أو التهوين من شأنهم لجهل مكانتهم عند الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أشعث، أي تلبد شعره لقلة تعهده له. أغبر، يعلوه الغبار. مدفوع بالأبواب، أي يُدفع لفقره. من فوائد الحديث: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. المسلم يعتني بطهارة قلبه وزكاة عمله وإخلاص نيته أكثر من عنايته بملبسه ومجلسه. التواضع لله والتذلل له سبب في إجابة الدعاء، ولذلك فالله سبحانه يبر قسم الأتقياء الأخفياء. مقامات العباد بالأعمال لا بالمظاهر والأموال. عن أسامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء. متفق عليه. والجد: الحظ والغنى. وقوله محبوسون، أي لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة. من فوائد الحديث. أهل الجنة هم المساكين وأصحاب الأعمال الصالحة، ولذلك فالفقراء أول من يدخل الجنة. لا ينفع مال ولا بنون يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم. النساء اللاتي يعصين ربهن وينكرن الجميل ويكفرن العشير يدخلن النار. المال مسؤولية كبيرة عند الله، ينبغي على مالكه أن يضعه في أمر الله ليكون حسابه يوم القيامة يسيرًا. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يا رب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: أي رب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: أي رب أمي وصلاتي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ. فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ. قَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ. فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ. فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي. فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ. اللهم اجعل ابني مثل هذا. فترك الثدي وأقبل فنظر إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها، ثم قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ سرقتِ، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها. فهنالك تراجع الحديث. فقالت: مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ سرقتِ، فقلت: اللهم لا تجعلني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها. قال: إن ذلك الرجل كان جبارا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. وإن هذه يقولون لها: زنيتِ ولم تزنِ، وسرقتِ ولم تسرق. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُومِسَاتُ هُنَّ الزَّوَانِي، وَالْمُومِسَةُ الزَّانِيَةُ، وَقَوْلُهُ: دَابَّةٌ فَارِهَةٌ، أَيْ حَاذِقَةٌ نَفِيسَةٌ، وَالشَّارَةُ هِيَ الْجَمَالُ الظَّاهِرُ فِي الْهَيْئَةِ وَالْمَلْبَسِ، وَمَعْنَى تَرَاجَعَ الْحَدِيثَ، أَيْ حَدَّثَتِ الصَّبِيَّ وَحَدَّثَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، هَذَا الْحَصْرُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِلَّا فَقَدْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ. صَوْمَعَةٌ، أَيْ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ الْمُحَدَّبُ أَعْلَاهُ، وَهُوَ مَكَانٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ الرُّهْبَانُ. يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، أَيْ اجْتَمَعَ عَلَيَّ إِجَابَةُ أُمِّي وَإِتْمَامُ صَلَاتِي، فَوَفِّقْنِي لِأَفْضَلِهِمَا. بَغِيٌّ، أَيْ زَانِيَةٌ، يُتَمَثَّلُ لِحُسْنِهَا، أَيْ يُضْرَبُ بِحُسْنِهَا الْمَثَلُ. اسْتَنْزَلُوهُ، أَيْ أَنْزَلُوهُ بِقُوَّةٍ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: إِثْبَاتُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، إِيثَارُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَنِ التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَضْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَجُرَيْجٌ عَابِدٌ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى عِلْمٍ. ولو كان عالماً لآثر إجابة أمه على تطوعه. دعوة الوالد مجابة. مكر أهل الباطل بالصالحين قديم، فبنو إسرائيل ذكروا العابد جريج، وتآمروا عليه وحرضوا البغي، فلما ظنوا أنهم أصابوا منه مقتلاً زعموا أنهم يؤدبونه؛ لأنهم يريدون الإصلاح وهم المفسدون. ولو كانوا مصلحين لأقاموا الحد على هذه البغي المعروفة لديهم. أهل الصدق مع الله لا تضرهم الفتن. الإنسان بتقواه وعمله لا بمظهره ولباسه. المفزع في الأمور المهمة إلى الله، ويكون بالتوجه إليه بالصلاة والدعاء. رياض الصالحين.