الحلقة (044) باب ملاطفة الأيتام والضَّعَفة والإِحسان إليهم

رياض الصالحين · المقطع 44 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم. قال الله تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين. وقال تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. وقال تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر. وقال تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع. فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ، أَيْ طَرْدُهُمْ لِثَبَاتِهِمْ وَطَمَعًا فِي إِسْلَامِ أَئِمَّةِ الشِّرْكِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: أَهْلُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى النَّاسِ إِلَّا بِكِبْرٍ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ الْآخَرِينَ فِي الْكَلَامِ وَالْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَكُلِّ هَيْئَةٍ وَحَرَكَةٍ. الْفُقَرَاءُ وَالْمُسْتَضْعَفُونَ هُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ. يَجِبُ الْبُعْدُ عَنْ أَذَى الصَّالِحِينَ وَمَا يُغْضِبُهُمْ. الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ لَيْسَ حَكْرًا عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، يَطْرُدُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَيُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ. الْإِسْلَامُ دَعْوَةٌ عَالَمِيَّةٌ، لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى. رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقَعُ مِنْهُ الاجْتِهَادُ، فَإِنْ أَخْطَأَ فَإِنَّهُ يُصَحَّحُ بِالْوَحْيِ مُبَاشَرَةً، وَلَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ. لَا مُحَابَاةَ فِي دِينِ اللَّهِ لِأَحَدٍ، فَمَنْ أَخْطَأَ رُدَّ عَلَيْهِ خَطَؤُهُ. الْغَايَةُ لَا تُبَرِّرُ الْوَسِيلَةَ، فَمَا دَامَتِ الْغَايَةُ مَشْرُوعَةً يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ مَشْرُوعَةً، فَالْوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ الْغَايَاتِ. والذي شرع الغاية لم ينسَ الوسيلة. عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني، وهو من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فأتاهم فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم. قوله: مأخذها، أي لم تستوفِ حقها منه. من فوائد الحديث: استحباب محاربة أعداء الله حربًا نفسية لتدمير معنوياتهم. جواز الاعتراض على من أخطأ في حق غيره من العباد. طلب محبة المؤمنين والتلطف معهم. الإخوة في الله يحملون كلام بعضهم على أحسن المحامل، ويطلبون لبعضهم المعاذير. أذى الصالحين محاربة لله، كما في حديث الولي. حرص الصحابة رضي الله عنهم على عدم إغضاب الله، وسرعة ندمهم ورجوعهم إلى الحق، وعدم تماديهم في الباطل. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما. رواه البخاري. وكافل اليتيم: القائم بأموره. اليتيم: الصغير الذي مات أبوه. السبابة: الإصبع التي تلي الإبهام. فرج: أي فرق بينهما. من فوائد الحديث: الترغيب في رعاية اليتيم والقيام على أمواله، وأن ذلك سبب في دخول الجنة ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، فيكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة. وأشار الراوي وهو مالك بن أنس بالسبابة والوسطى. رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: اليتيم له أو لغيره، معناه قريبه أو الأجنبي منه، فالقريب مثل أن تكفله أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من قرابته، والله أعلم. من فوائد الحديث: زاد مسألة أخرى على الحديث السابق، وهي توسيع مفهوم اليتيم حتى يشمل القريب والأجنبي، وأن فضيلة كفالة اليتيم تتعدى إليهما جميعًا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف. متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين: ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس. المسكين: أي المحتاج المحروم الأحق بالصدقة. يتعفف: أي يترك السؤال مع حاجته وفقره. لا يُفْطَن، أي لا يُنتبه. من فوائد الحديث: المحتاج الذي لا يسأل الناس إلحافًا، أولى بالصدقة من الطواف. ذم سؤال الناس. الحض على التعفف، كما قال الله تعالى: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. المسكنة صفة تُمدح إذا لازمتها العفة عن السؤال، والصبر على الشدة، والرضا بما قسم الله. مدح الحياء في كل الأحوال والأحيان، وأنه لا يأتي إلا بخير. استحباب التحري لوضع الصدقة في من صفته التعفف دون الإلحاح أو التعريف. جواز التصدق ولو باليسير، كالتمرة أو اللقمة، فإنها وقاية من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر. متفق عليه. الأرملة: أي المرأة التي مات عنها زوجها. القائم: أي في الصلاة متهجدًا. لا يفتر: أي لا يذهب، فينقطع عن ملازمة العبادة. من فوائد الحديث: السعي على الأرملة واليتيم، والإنفاق عليهما، والقيام على أمورهما جهاد في سبيل الله. الحض على كشف كربة الضعفاء والمحتاجين، وسد خلتهم وصون حرمتهم. العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة. حرص الشريعة الإسلامية على تضامن المسلمين وتكافلهم وتعاونهم حتى يشتد البناء الإسلامي. بيان أنواع الجهاد، فمنه الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، والجهاد بالكلمة. العطاء من أهل الإحسان ينبغي أن يكون بالبحث عن المحتاجين، لا لجوء المحتاجين إليهم، وهذا يؤكده لفظ الساعي. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. رواه مسلم. وفي رواية في الصحيحين عن أبي هريرة من قوله: بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء. طعام الوليمة، أي طعام العرس. من يأتيها، أي للحاجة من الفقراء والمحتاجين. من يأباها، أي لعدم حاجتهم. من فوائد الحديث: إجابة الدعوة واجبة بشرط ألا يكون فيها منكرات كالغناء وآلاته، فإنها حينئذ تكون محرمة. التحذير من تعظيم أهل الغنى لغناهم. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع بعده من تخصيص الأغنياء بالدعوة في الولائم. من المظاهر التي ابتلي بها المسلمون في هذا العصر التباهي والتفاخر والإسراف في الولائم، ودعوة الأغنياء والموسرين إليها، ومنعها عن الفقراء والمحتاجين. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه. رواه مسلم. جاريتين، أي بنتين. عال، مأخوذ من العول وهو العون، والمراد القيام عليهما بالتربية والإحسان إليهما حتى تبلغا، أي حتى يصلن إلى حالة يستقلان بأنفسهما، وذلك بدخول أزواجهما عليهما. من فوائد الحديث: فضل إعالة البنات والبر بهن. عناية الأبوين بالبنات تربيةً وتهذيبًا سبب في دخول الجنة وعلو المنزلة فيها. عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته، فقال: من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار. متفق عليه. تسأل، أي تطلب مالًا عن حاجة. ابتلي، أي امتحن واختبر. سترًا، أي حجابًا ووقاية. من فوائد الحديث: يجوز للمرء إذا بلغ به الجوع مبلغًا كبيرًا أن يسأل الناس حتى يسد رمقه ويقضي على الجوع. استحباب التصدق بما يقدر عليه الإنسان ولو كان يسيرًا. شدة عطف الأبوين على أبنائهما. رعاية البنات، وإن كن موضع كراهة عند بعض الناس، سبب في رحمة الله. بيان حال بيوتات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رزقه كان كفافًا. بيان فضل الإيثار، وأنه من سمات المؤمنين، فقد آثرت عائشة تلك المرأة وابنتيها على نفسها، وهذا يدل على سخائها وكرمها مع شدة حاجتها. جواز ذكر المعروف والتحدث بنعمة الله إن لم يكن على وجه الفخر والرياء والمنة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاثة تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت ذلك الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار. رواه مسلم. فاستطعمتها، أي طلبتا أن تطعمهما إياها. شأنها، أي حالها. من فوائد الحديث: زيادة على الحديث السابق فضل الصدقة؛ لأنها تطهر النفس وتقوي إيمان العبد بربه. وتزيد من ثقته بوعده وفضله. جواز الإنفاق من مال الزوج بإذنه العام والخاص، ويكون لها أجر الإنفاق، وللزوج مثل ذلك؛ لأنه رضي النفقة من ماله. عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة. رواه النسائي بإسناد جيد. ومعنى أحرج: أي أُلحق الحرج، وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيرًا بليغًا، وأزجر عنه زجرًا أكيدًا. من فوائد الحديث: الوصية بالضعفاء الذين لا يستطيعون حيلة من النساء واليتامى، وعدم التعرض لهم؛ لأنهم يلجؤون إلى الله ويحتمون بقوته، فمن تعرض لهم استحق الإثم والعذاب. عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال: رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ رواه البخاري هكذا مرسلًا. رأى أيضًا. أن له فضلاً على من دونه، أي أن له زيادة فضل على من دونه من الصحابة. من فوائد الحديث: الضعفاء مصدر خير للأمة. الحث على التواضع وعدم التعالي على الناس. حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر، وتأليف القلوب، وتوجيهها لما يحبه الله ويرضاه. عن أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم. رواه أبو داود بإسناد جيد. ابغوني، أي أعينوني على طلب الضعفاء. رياض الصالحين.