الحلقة (047) باب النفقة على العيال، وباب الإنفاق مما يحب ومن الجيد
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب النفقة على العيال. قال الله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا. وقال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك. رواه مسلم. في رقبة، أي في إعتاق عبد أو أمة، عيالك، أي أهل بيتك ومن تعولهم. من فوائد الحديث: النفقة على الأهل من أعظم القربات وأفضل النفقات، فهي نفقة واجبة. والتقرب إلى الله بالفرائض أحب إليه من غيره، وكذلك فيها صلة، وإيجاد المحبة والألفة وتأليف القلوب وجمع الكلمة. أبواب الإنفاق في سبيل الله كثيرة، منها الإنفاق في سبيل الله لتجهيز الغزاة، وتحرير الأرقاء لينالوا حريتهم، والسعي على المحتاجين والمساكين. عن أبي عبد الله، ويقال له أبو عبد الرحمن، ثوبان بن بجدد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله. رواه مسلم. من فوائد الحديث: رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقات، وبين أهميتها وفضلها، فأعظمها النفقة على العيال، ثم النفقة على تجهيز نفسه وإعداد السلاح للجهاد في سبيل الله، ثم النفقة على الإخوان لعونهم للخروج مقاتلين في سبيل الله. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، هل لي في بني أبي سلمة أجر أن أنفق عليهم؟ ولست بتاركتهم هكذا ولا هكذا، إنما هم بني. فقال: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم. متفق عليه. بتاركتهم هكذا وهكذا، أي يتفرقون يمينًا وشمالًا طلبًا للقوت. من فوائد الحديث: فضل الإنفاق على الأيتام، جواز دفع المرأة زكاة مالها إلى زوجها، شدة شفقة الأم على بنيها ورحمتها بهم، حصول الأم على الأجر والثواب بالإنفاق على بنيها، وإن كانت تنفق عليهم بدافع الشفقة والرحمة، يستحب لولي الأمر ترغيب الرجال والنساء من المسلمين في أفعال الخير. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي قدمناه في أول الكتاب في باب النية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فم امرأتك. متفق عليه. من فوائد الحديث: حصول الأجر والثواب بالنفقة على الزوجة، وإن كان في مقابل الاستمتاع بها؛ لأن المباحات بالنية الصالحة تنتقل إلى درجة الطاعات. عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها، فهي له صدقة. متفق عليه. من فوائد الحديث: الإنفاق على الزوجة والأولاد واجب. حصول الأجر والثواب بالإنفاق على الأهل. المؤمن يبتغي في عمله وجه الله، وما عنده من الأجر والثواب. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت. رواه أبو داود وغيره، ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته. كفى بالمرء إثماً، أي يكفيه إثم تضييع عياله. عمن يملك قوته، أي من هو مكلف بالنفقة عليه. من فوائد الحديث: تحريم إهمال شأن العيال ومنع النفقة عليهم. الرجل مسؤول عمن هو مكلف بهم كعياله وخدمه. النفقة على من تعول من أفضل النفقات. عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. متفق عليه. خلفًا، أي أخلفه خيرًا فيما أنفق وبارك له. تلفًا، أي أهلك ما كنزه ومنعه عن مستحقيه. من فوائد الحديث: جواز الدعاء للكريم بمزيد العوض، وأن يخلفه الله خيرًا مما أنفق. جواز الدعاء على البخيل بتلف ماله الذي منعه وكنزه. استجابة الله دعاء العبد لأخيه بظهر الغيب. دعاء الملائكة واستغفارهم للمؤمنين الصالحين المنفقين بالخير والبركة، وأن دعاءهم مستجاب، وإلا فالتوكيل بما لا طائل تحته عبث، والله سبحانه منزه عن العبث. الحث على الإنفاق في سبيل الله؛ لأنه سبب في المزيد. قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. تحريم البخل والشح؛ لأنه سبب في الهلاك والإهلاك. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. رواه البخاري. اليد العليا هي اليد المنفقة المعطية، اليد السفلى هي اليد السائلة، خير الصدقة أي أفضل ما أخرجه المسلم، عن ظهر غنى أي من غير احتياج إليه بعد أن يستغني منه قدر الكفاية لأهله وعياله، أو يرصده لسداد دينه، يستعفف أي يطلب من الله العفة وهي الكف عن الحرام، يعفه الله أي يوفقه الله فيصير عفيفًا عن الحرام، يستغني أي يقنع بما قسم الله له. من فوائد الحديث: الأيدي أربع، فأعلاها المنفقة في سبيل الله من غير منٍّ ولا أذى، ثم المتعففة عن الأخذ ولو كانت محتاجة، ثم الآخذة بغير سؤال ولا استشراف، وأدناها السائلة. تفضيل الغنى للرجل الصالح الذي يقوم بحق المال على الفقير، ويظهر ذلك في أمور منها أن اليد المنفقة في سبيل الله هي العليا. ولا يكون الإنفاق والعطاء إلا عن ظهر غنى. كراهية السؤال والتنفير منه، وأنه لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة ملحة. أولى الناس بالنفقة هم أهل بيتك ومن تعولهم، ولذا قال: وابدأ بمن تعول. العفة والقناعة من صفات المؤمنين الكمل. لا يجوز للمرء أن يتصدق بماله كله فيبقى عالة على الناس. من استعان بالله على استكمال الأعمال الصالحة التي قررها في نفسه أعانه الله وبلغه مراده وكفاه. باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد. قال الله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه. عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد. وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل عليك: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه. قوله صلى الله عليه وسلم: مال رابح، روي في الصحيح: رابح، ورايح، أي رايح عليك نفعه. وبيرحاء: حديقة نخل. مستقبلة المسجد، أي في قبلة المسجد النبوي. طيب، أي عذب. برها، أي خيرها، وذخرها، أي أجرها عند الله. بخٍ كلمة تلطف وإعجاب، تقال عند الرضا بالشيء وتفخيمه والإعجاب به. من فوائد الحديث: فضل الإنفاق من أحسن أموال العبد وأحبها إلى نفسه. سرعة استجابة الصحابة لأمر الله، وحرصهم على بلوغ المقامات التي يحبها الله ورسوله. تفويض أهل العلم والفضل بتوزيع وصرف الصدقات في وجوه الخير. جواز الانتفاع بالمسجد في الأمور العامة التي تهم المسلمين. الحض على فعل الخير بالثناء على فاعليه وشكرهم، وإظهار السرور والإعجاب بصنيعهم. أولى الناس بالإحسان إليهم ذوو الأرحام وأولو القرابة. جواز دخول البساتين للاستظلال بظلها والشرب من مائها، وبخاصة إذا كان أصحابها يسرون بذلك. في الحديث فضيلة لأبي طلحة رضي الله عنه، لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب، فترقى أبو طلحة إلى إنفاق أحب أمواله، فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه بقوله: بخٍ، ذلك مال رابح. ما يقدمه العبد بين يديه عند مولاه، ويدخره ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. هو المال الرابح والتجارة التي لن تبور، لأنه ما عندكم ينفد وما عند الله باق. رياض الصالحين.