الحلقة (048) باب وجوب أمر أهله بطاعة الله ونهيهم عن مخالفته، وباب حق الجار والوصية به

رياض الصالحين · المقطع 48 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه. قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ، ارمِ بها، أما علمتَ أنا لا نأكل الصدقة؟ متفق عليه. وفي رواية: أنا لا تحل لنا الصدقة. وقوله: كخ كخ هي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن رضي الله عنه صبيًّا. من فوائد الحديث: وجوب رعاية الإنسان لأهله وبنيه ومن هم تحت توجيهه، ومنعهم من المحرمات مع بيان دليل ذلك، تحريم الصدقة والزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله. الصدقات تُدفع للإمام. جواز إدخال الصبيان المساجد، وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرهم، ومن تناول المحرمات وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا على ذلك. استحباب الإعلام بسبب النهي والزجر. جواز مخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز. استحباب استخدام اللفظ المعقول للمخاطب. عن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد. متفق عليه. وتطيش: تدور في نواحي الصحفة. ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ابن زوجته أم سلمة رضي الله عنها. حجر: الحضن، والمراد تحت نظره وفي تربيته. الصحفة: إناء طعام كالقصعة. طعمتي. أي صفة أكلي بعد ذلك القول. من فوائد الحديث: وجوب تربية الأولاد على آداب الإسلام، كالأكل والشرب والنوم. من آداب الطعام في الإسلام تسمية الله، والأكل باليمين، وأن يأكل من جهته، ولا يأخذ الطعام من جهة من يأكل معه. استجابة الصحابة لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم، وثباتهم على هديه. فيه فضيلة لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما لامتثاله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواظبته على مقتضاه، وثباته على السنة. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته. متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع. رواه أبو داود. المضاجع: أي فراش النوم. من فوائد الحديث: أول ما يُعلَّم الطفل بعد التوحيد من الأمور العملية في الإسلام هو الصلاة. ينبغي على الآباء تعويد الأبناء على الصلاة وتعليمهم أحكامها وآدابها. الضرب وسيلة تربوية، وبخاصة إذا ترتب عليه منفعة أو دفع مفسدة، تأتي بعد الوعظ والإرشاد، وينبغي أن يكون ضرب تأديب غير مبرح، ويتجنب الوجه. على الآباء صيانة أولادهم مما قد يثير الفتنة في نفوسهم، ولذلك ينبغي أن يُفصل بعضهم عن بعض في المضاجع. سن التمييز والتعليم السابعة، وسن المراهقة المبكرة يبدأ من العاشرة. لكل مرحلة من مراحل الإنسان خصائص تميزها وتستقل بها، فعلى المربين الإحاطة بها وإدراكها. في الحديث دليل على أن صلاة الصبي بعد ما يعقل صحيحة. الأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو على وجه الرياضة لا على وجه الوجوب. عن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين. رواه أبو داود والترمذي، ولفظ أبي داود: مُروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين. من فوائد الحديث: بالإضافة إلى ما سبق، على الآباء والأمهات أن يكونوا القدوة الحسنة في أداء الطاعات، ليكون توجيههم لأبنائهم قائماً على التطبيق والمحاكاة والقدوة، إذ لا فائدة من طلب الأب من أبنائه أداء الصلاة وهو غير ملتزم بها. أيضاً كذلك يتعين على المعلمين والمدرسين أن يكونوا القدوة الحسنة في أداء الصلاة وسائر العبادات، ليكون توجيههم مؤثراً، وأدعى إلى استجابة الأطفال والمتعلمين. باب حق الجار والوصية به. قال الله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم. عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. متفق عليه. ظننت: أي اعتقدت وترقبت. من فوائد الحديث: للجار حق عظيم ينبغي حفظ جواره، ومراعاته بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، ودفع الضرر عنه. جواز الطمع في الفضل إذا توالت النعم. جواز التحدث بما يقع في النفس من أمور الخير. من كثرة ما كان جبريل يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظن أنه سيجعل له نصيبًا من الميراث يعطاه مع الأقارب. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك. رواه مسلم. وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف. من فوائد الحديث. استحباب نصح الأحبة والأصحاب بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم. استحباب التهادي بين الجيران؛ لأن ذلك يورث المحبة ويزيد المودة. عدم احتقار شيء من ضروب الخير وصنوف البر، فإنها كلها معروف. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. البوائق: الغوائل والشرور. من فوائد الحديث: كف الأذى عن الجيران من كمال الإيمان. تأكيد حق الجار، لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه. روي خشبة بالإضافة والجمع، وروي خشبة بالتنوين على الإفراد، وقوله: ما لي أراكم عنها معرضين؟ يعني عن هذه السنة. من فوائد الحديث: تعاون الجيران والتسامح بينهم من حقوق الجوار، ومظهر من مظاهر متانة المجتمع الإسلامي. إذا كان الجدار لواحد وله جار، فلجاره أن يضع جذعه عليه، سواء أذن المالك أم لا، بشرط ألا يلحق ذلك ضررًا بالجدار؛ لأن الإسلام قرر في قواعده الكلية لا ضرر ولا ضرار. جواز الإنكار على من ترك أمرًا شرعيًا بما يناسب المقام. لا يجوز ترك الحكم الشرعي لجهل الناس به أو إعراضهم عنه، بل يجب الثبات حتى يتعلم الناس ويقبلوا على ذلك. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ. متفق عليه. عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت. رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاري بعضه. من فوائد الحديث: إلحاق الضرر بالجار قولًا أو فعلًا منافٍ لكمال الإيمان، ومناقض لصفات عباد الرحمن. للضيف حق، فينبغي على المسلم أن يقري ضيفه، ويهش في وجهه، ويهيئ له نزلًا. الكلام إما خير أو شر، فمن علم خيرًا فليقل بعد تفكر وتحقق. الصمت خير من الكلام الذي لا فائدة فيه. ينبغي على العبد مراقبة لسانه، فإنه لا يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين. فَأَيُّهُمَا أُهْدِيَ؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا. رواه البخاري. من فوائد الحديث: ينبغي مراعاة شعور الجار الأقرب؛ لأنه يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، بخلاف الأبعد، ناهيك أن الأقرب أسرع إجابةً لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة. كلما قرب الجار زاد حقه على جاره. القرب المعتبر هو قرب الأبواب. يؤخذ من هذا الحديث تقديم العلم على العمل، ولذلك سألت عائشة رضي الله عنها عن حكم المسألة قبل المباشرة في العمل. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الحث على تعظيم الصحبة الإيمانية وتعزيزها. الحث على حفظ الجار والإحسان إليه. حرص الإسلام على تقوية أواصر المحبة بين المسلمين. رياض الصالحين.